فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 584

النقل والعقل، ويحكم بأن كل ما لا يوافق الشرع المنقول فهو مطروح، وإن قبلته ظواهر العقول (1788) ، وتارة أخرى يعود إلى فكرة التوسط الموجودة عند شيخه أبي حامد، والتي في حقيقتها تئول إلى تقديم العقل على النقل عند التعارض.

وهذا ما صرَّح به، حينما جعل ما يأتي به الشرع مما ينفي العقل ظاهره واجبَ التأويل؛ لأن حمله على ظاهره محال، والشرع لا يأتي به، فالمخرج هو صرفه عن ظاهره، وذلك لا يعدو أن يكون نوعًا من تقديم العقل على النقل (1789) .

وإذا انتهينا إلى الرازي فسوف نجد أن القول بتقديم العقل على النقل قد وصل إلى أشد درجاته خطورة، ولا شك أنه نقل المذهب الأشعري نقلةً كبيرةً، وازدادت حدة النزعة العقلية عن ذي قبل، واختلط علم الكلام على يديه بالفلسفة، وصار موضوعه -كما يشير ابن خلدون- متشابهًا مع مباحث الإلهيات في الفلسفة، ومسائله تقاربت مع مسائلها وكأنهما فن واحد (1790) ، وربما يعود ذلك إلى اهتمام الرازي الواضح بدراسة الفلسفة، وتصنيفة عددًا من الكتب حولها؛ كـ «المباحث المشرقية» ، «وشرح عيون الحكمة» ، و «شرح الإشارات والتنبيهات» لابن سينا، و «الملخص في الحكمة» ، و «المنطق» ، وغيرها من المؤلفات التي دفعت بعض الباحثين الذين درسوا آراء الرازي بتوسع للتساؤل عن حقيقة منهجه، وهل كان فيلسوفًا كابن سينا، والفارابي، أم متكلمًا مناهضًا للفلسفة، أم أنه متكلم متفلسف، يؤيد المتكلمين حينًا والفلاسفة حينًا، أم مر بمراحل في حياته الفكرية يميل فيها إلى الفلسفة في فترة ثم يتخلى عنها إلى علم الكلام في مرحلة لاحقة، ثم يتخلى عن الجميع في أواخر عمره (1791) ؟ ولا يعنينا أن نرجح بين تلك الأقوال، وإن كان الاحتمال الأخير أرجحها، والمهم أن هذا المنهج كان له تأثير كبير في شيوع القول بتقديم العقل واستقراره في المذهب الأشعري.

وربما كان من أشد آراء الرازي وأخطرها في هذه القضية ما انتهى إليه من كون دلالة السمع لا تتم أو تصل إلى مرتبة اليقين إلَّا بإسقاط المعارض العقلي المحتمل، ومع احتمال وجوده لا تزيد دلالة السمع عن مرتبة الظنية، ولما كان القطع بانتفاء المعارض العقلي أمرًا عسيرًا ويصعب تحقيقه، فتبقى دلالة النصوص الشرعية ظنية بسبب هذا المعارض المزعوم (1792) ، ولذا وصف ابن تيميَّة هذا الكلام بأنه صد عن سبيل الله، إذ كان أي دليل أقيم على بيان مراد الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينفع لاحتمال أن المعارض العقلي ناقضه (1793) ، وصحيح أن الرازي تراجع عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت