ونخلص من استعراض هذه المرحلة إلى أن المذهب الأشعري -حتى الباقلاني- كان يثبت أغلب الصفات بما فيها الخبرية، وتركزت جُل نماذج التأويل التي ظهرت عندهم على صفات الأفعال، تبعًا لقاعدة نفي حلول الحوادث بذات الله سبحانه وتعالى.
وعلى يد ابن فورك (403 هـ) زادت درجة التأويل بصورة أكبر، وصارت تتناول عددًا من الصفات التي أثبتها أئمة المذهب الأوائل، فهو يثبت من الصفات الخبرية كلًّا من: الوجه، واليدين، والعين، ويمنع من تأويلها، وينفي أن تكون جارحة أو دالة على تجسيم أو أجزاء، لكنه من ناحية أخرى يتأول ما عداها؛ كاليد، والقدم، والساق، ويمين الرحمن -ولم يجعلها مع اليدين- والوجه والعين، نسقًا واحدًا في الإثبات مع عدم التمثيل أو التجسيم، وأما صفات الأفعال -كالنزول والإتيان والمجيء- فيؤولها جميعًا كما فعل الباقلاني، لكنه يزيد عليه فيؤول الاستواء والعلو (1935) ، وهما من الصفات التي كانت محل اتفاق تام بين أئمة المذهب، ولم يتعرض لها أحد منهم بتأويل ابتداء من الأشعري وحتى الباقلاني.
ثم اتسعت دائرة التأويل عند عبد القاهر البغدادي، فإضافة لتأويله العلو والاستواء قال بتأويل جميع الصفات الخبرية، وعقد عدة مسائل لتأويل الوجه والعينين واليد وغيرها من الصفات (1936) ، وإذا كان مَن سبقه قد أولوا عددًا من هذه الصفات، فإن عبد القاهر -ولأول مرة- يذهب إلى تأويلها جميعًا، وبذلك انتقل المذهب الأشعري نقلة كبيرة، تختلف كثيرًا عن مواقف مشايخه المتقدمين.
وعندما جاء الجويني كانت فكرة تأويل الصفات الخبرية قد استقرت تمامًا في المذهب، والجديد الذي أتى به هو تبنيه لبعض التأويلات التفصيلية التي رفضها مَن قبله، وعدوها من آراء المعتزلة الباطلة، ومن أشهر الأمثلة على ذلك تأويل الاستواء، فمع أن ابن فورك وعبد القاهر البغدادي قد سبقاه إلى القول بتأويله إلا أنهما رفضا أن يُحمل الاستواء على الاستيلاء، أما الجويني فلم يرَ مانعًا من ذلك؛ لأن هذا المعنى شائع في اللغة، ولا يترتب عليه أي محذور (1937) .
واختلفت مواقف الغزالي من التأويل؛ ففي «إلجام العوام» اتخذ منه موقفًا متشددًا، وقصره على الراسخين في العلم من الخواص، ومنع منه العوام منعًا باتًّا، وحتى تجويزه للخواص مقترن بقيود وضوابط؛ منها: ألا يصرحوا به للعوام، وأن يكفوا عن الخوض فيه إذا تعارضت الاحتمالات،