فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 584

وهو يرجح مذهب السلف بالعديد من الأوجه، ويرى فيه السلامة والنجاة من مسالك التأويل الوعرة، وإن كان يصور مذهبهم على أنه التفويض وليس الإثبات (1938) ، كما سنرى في المبحث القادم إن شاء الله.

لكن أبا حامد ينحو منحى آخر في «قانون التأويل» و «فيصل التفرقة» ، فالتأويل من وجهة نظره ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها مطلقًا، ويضرب المثل بالإمام أحمد أكثر الناس تشددًا في هذا الباب، ومع ذلك اضطر إليه في ثلاثة أحاديث، ولو أمعن في النظر العقلي لوجد نفسه مضطرًّا بدرجة كبيرة إلى التأويل في مواضع أخرى، ويتعجب ممن يكفر الخصوم بالتأويل قائلًا: كيف يلزم الكفر بالتأويل، وما من فريق من أهل الإسلام إلا وهو مضطر إليه؟! (1939)

وواضح أن منهجه في التأويل منبثق عن نظرته إلى علاقة النقل بالعقل، وفرع عنها -حسبما فصلنا في المبحث السابق- فالعقل أصل النقل؛ إذ به عرفنا صدقه، وبرهان العقل لا يكذب أصلًا ولا يمكن أن يعارضه السمع؛ لأن الشيء لا يعارض أصله الذي عرف عن طريقه، ومن ثم فالواجب إزالة التعارض ما أمكن، وأمر النقل سهل ويسير، لا سيما مع فكرة أبي حامد في تقسيم مراتب الوجود.

فالوجود عنده ينقسم إلى خمس درجات، تختص كل درجة منها بنوع من التأويل، وليس شيء منها داخلًا في حيز التكذيب؛ لأن كل من تأول آية أو خبرًا على درجة منها، وحمله على محمل قريب، كان مصدقًا بالنص، وتتلخص تلك الدرجات فيما يلي (1940) :

(أ) الوجود الذاتي: وهو تحقق وجود الشيء خارجًا عن التصور العقلي وجودًا مستقلًّا بذاته.

(ب) الوجود الحسي: وهو رؤية الحواس لما لا وجود له في الخارج؛ بل هو من قبيل التمثيل.

(جـ) الوجود الخيالي: ويعني انتزاع صورة من الواقع الحسي، ثم تجريدها منه، وبعد غيبة الصورة الحسية تتمثل في عالم الخيال.

(د) الوجود العقلي: وهو إثبات معنى الشيء الذي له حقيقة في الخارج إثباتًا عقليًّا مجردًا، دون أن يكون له صورة ووجود في مجال الحس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت