واختلفت مواقف الرازي، فتارة يختار التفويض مؤثرًا على التأويل (1986) ، وتارة أخرى يقدم التأويل عليه (1987) ؛ لكن تظل طرق إزالة التعارض بين النقل والعقل عنده محصورة في كلا المسلكين، فالنقل إما أن يؤول وإما أن يفوض (1988) ، وحينما رجح التفويض علل ذلك بأنه الموافق لمقتضى الوقف على لفظ الجلالة من قوله سبحانه وتعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} (1989) ، ولإجماع الصحابة على عدم الخوض في المتشابهات، ولأن التأويل لا يخلو من الاعتماد على الظن فكان الأحوط تركه، والاكتفاء بما هو يقيني لا شبهة فيه.
لكنه في مواضع أخرى أحس بعدم كفاية التفويض، وعجزه عن إزالة الشبه والشكوك التي ربما ثارت في النفوس، مما يوجب الرجوع إلى التأويل والتمسك به، وهذا ما فعله في التفسير حينما تكلم عن آية الاستواء، وأثبت استحالة أن يكون معناها الظاهر -وهو الاستقرار والقعود- مرادًا، ثم ذكر مذهب من قال: لا نشتغل بالتأويل؛ بل نقطع بأن الله تعالى منزه عن المكان والجهة ونترك تأويل الآية، وضعَّفه من وجهين:
الأول: أنه إن قطع بأن الله منزه عن المكان والجهة فقد قطع بأنه ليس مراد الله تعالى من الاستواء الجلوس، وهذا هو التأويل.
الآخر: أنه إن لم يقطع بتنزيه الله عن المكان والجهة؛ بل بقي شاكًّا فيه فهو جاهل بالله تعالى، اللهم إلا أن يقول: أنا قاطع بأنه ليس مراد الله تعالى ما أشعر به ظاهره، بل مراده شيء آخر؛ ولكني لا أبين ذلك المراد خوفًا من الخطأ، فهذا يكون قريبًا، وهو أيضًا ضعيف (1990) .
ويدل كلام الرازي المذكور على ما سبقت الإشارة إليه من اشتراك التفويض مع التأويل في صرف الألفاظ عن ظواهرها، والإقرار بأن هذا الظاهر غير مراد قطعًا، كما ينطوي التفويض على حالة من التردد والتوقف بين الإثبات والنفي وعدم اختيار موقف جازم، وهو ما أسماه الرازي شكًّا وجهلًا.
ثم استقر الفكر الأشعري في مراحله المتأخرة على حصر مسالك التعامل مع نصوص الصفات في التأويل أو التفويض، وصار ذلك من الأسس المهمة التي تصاغ في متون العقائد عند المتأخرين، كما هو الحال عند صاحب «جوهرة التوحيد» أحد المتون الأشعرية التي تدرس حتى يومنا هذا، فهو يقول في هذا الصدد: