فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 584

أي: بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره فوِّض المراد من النص الموهم إليه تعالى، وقد اتفقت كلمة رجال المذهب على نسبة التفويض إلى السلف، وأصبح من الثابت تصوير موقفهم على أنه الإيمان بالصفات وتفويض معناها إلى الله، مع عدم تفسيرها، وتنزيهنا لله عن حقيقتها، ويبقى موقف الخلف وهم الذين لجئوا إلى التأويل واضطروا إليه؛ لظروف وملابسات جدت في أزمانهم.

وترتب على هذا الفهم لموقف السلف، وكونه التفويض وليس الإثبات -محاولة إزالة الفوارق بينه وبين رأي الخلف، فمذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم، مع أن المفترض وجود تلازم بين العلم والسلامة، وكلما كان الشيء أعلم كان بالضرورة أحوط وأسلم؛ لأن الجميع متفقون على تنزيه الله عما يوجبه ظاهر النص؛ إذ هذا الظاهر يفيد التشبيه، كما أنهم متفقون على ضرورة التأويل؛ ولكن تأويل السلف إجمالي، يعني السكوت وترك المعاني المحتملة، أما تأويل الخلف فتفصيلي، ولعل ما تقدم كان كافيًا في بيان الاتجاه الحقيقي لموقف السلف وأنه الإثبات وليس التفويض، وبذلك يظل الفرق قائمًا بوضوح بينه وبين موقف الخلف.

وقد تنوعت آراء أئمة الأشاعرة -النظرية والتطبيقية- بين اختيار التفويض أو التأويل ومدى التفضيل بينهما، ويمكننا من خلال استعراض مسيرة المذهب أن نلحظ عدة اتجاهات على النحو التالي (1992) :

(أ) من حكى قول أهل التفويض وأهل التأويل، مع ميل أو ترجيح للتفويض غالبًا؛ كالحافظ ابن حجر الذي أوجب الإعراض عن التأويل في النصوص المتشابهة «والتفويض إلى الله في جميعها، والاكتفاء بالإيمان بكل ما أوجب الله في كتابه، أو على لسان نبيه إثباته له، أو تنزيهه عنه على طريق الإجمال، ولو لم يكن في ترجيح التفويض على التأويل، إلا أن صاحب التأويل ليس جازمًا بتأويله، بخلاف التفويض» (1993) لكفى بذلك مرجحًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت