معرفة الحقائق، وتقارب مفهومها وأقسامها عندهما، وليس بصحيح ما أشيع عن المعتزلة من إنكار حجية السنة، وقد أَثبت من خلال نصوصهم عكس ذلك، وتم رصد بعض الشواهد الدالة على اهتمامهم بالسُّنَّة، وإن ظلت ظواهر فردية لا تنطبق على المذهب ككل، ولا تمثل خطًّا عامًّا للفكر الاعتزالي، كما اصطدمت في كثير من الأحيان بمسالكهم العملية تجاه الحديث والمحدِّثين.
(د) يعد قبول الأحاديث المتواترة، والاحتجاج بها محل اتفاق بين المدرستين، وإن وُجد لدى بعض أفراد من المعتزلة نوعية من الشروط التي تضيق كثيرًا من دائرة التواتر؛ بل ربما جعلت تحققه مستحيلًا، كما أنهم نازعوا في ثبوت عدد من الأحاديث المتواترة التي تخالف آراء المذهب ومعتقداته.
(هـ) أظهر البحث أن الاتجاه السائد عند المعتزلة، وجماهير الأشاعرة -لا سيما المتأخرين، خلافًا لمتقدميهم- يميل إلى أن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظن، ويجب العمل بها في مجال التعبد؛ بينما لا يصح التعويل عليها في إثبات المسائل العقدية، وبناء على ذلك لم يقبلوا كثيرًا من الأحاديث المنقولة آحادًا، والواردة في أمور الاعتقاد، وحكموا بضعفها، أو شككوا في ثبوت صحتها، وعندما تعذر ذلك لجئوا إلى تأويل معانيها وصرفها عن ظواهرها.
(و) لم تتفق تعريفات أئمة المذهبين على مفهوم موحد للإجماع -وإن تقاربت فيما بينها- واشترطت حصول الاتفاق على حكم مسألة ما، ثم تباينت في تحديد مواصفات وضوابط هذا الاتفاق ونوعية المتفقين، خلافًا للنظَّام الذي انفرد بمفهوم لم يسبق إليه، ويئول إلى إلغاء فكرة الإجماع من أساسها، وقد اتفقت المدرستان على إمكانية وقوع الإجماع عقلًا وعادةً، والاطلاع عليه ونقله، وليس بين الأشاعرة خلاف حول القول بحجيته، أما المعتزلة فجلُّهم مقرٌّ بالحجية نظريًّا ما عدا النظَّام، وإن كان الجانب التطبيقي قد شابه بعض المآخذ، ونُسبت إليهم نماذج عديدة من المخالفة لمسائل مجمع عليها.
(ز) أما الاحتجاج الفعلي بالإجماع على مسائل العقيدة فقد استقرت كلمة المعتزلة على التفرقة بين نوعين من المسائل: