النوع الأول: مسائل الأصول، ولا يجوز الاستدلال بالإجماع فيها لئلا يلزم الوقوع في الدور الممتنع.
والنوع الآخر: ما سوى مسائل الأصول، وما لا يعتمد الإجماع في أصل ثبوته على القول به، وهذه يجوز التمسك بالإجماع فيها، وانتقلت تلك الفكرة إلى الأشاعرة -بعد أبي الحسن- بل وجد من بينهم من فاق آراء المعتزلة، ومنع من الاحتجاج بالإجماع في سائر العقليات، دون تفرقة بين الأصول والفروع.
(ح) اتفقت كلمة الأشاعرة على تعديل الصحابة، والإقرار بفضائلهم، والكف عن الخوض فيما شجر بينهم من نزاع وخلافات، أما المعتزلة فلم يجتمعوا على قول واحد في هذا الصدد، وحدث نوع من التطور في آراء المذهب، واتسمت أقوال المتقدمين بالتشدد والغلو، ثم خفَّت تلك الحدة فيما بعد، وتغيرت إلى الأفضل عند المتأخرين، وإن لم تخل من بعض الشوائب، ويلاحظ أن هناك شبه اتفاق بين المدرستين على أن أقوال الصحابة لا تعتبر حجة مستقلة في الاستدلال على المسائل العقدية؛ لكنهم مع ذلك سعوا سعيًا حثيثًا لإيجاد نوع من الصلة والاشتراك في الرأي بين مذاهبهم وما كان عليه الصحابة من معتقد؛ بل وُجد من ينسب الصحابة إلى هذا المذهب أو ذاك.
ثالثًا: لم يكن الدليل النقلي حجة على سبيل الاستقلال في إثبات سائر المسائل العقدية عند المعتزلة وجمهور الأشاعرة، ووجدت مجموعة من الأسس المنهجية التي شكلت طريقة التعامل معه.
(أ) ومن أبرز تلك الأسس، وأبلغها أثرًا «فكرة الدور» التي ظهرت في بدئها عند المعتزلة، واستقرت دعائمها في مرحلة تالية لطور النشأة والتأسيس، ثم انتقلت فيما بعد إلى متأخري الأشاعرة، وحدث نوع من الالتزام الصارم بها عند المدرستين، وأنتجت مجموعة من الآثار المنهجية المهمة، يأتي في مقدمتها تقسيم مسائل العقيدة تقسيمًا ثلاثيًّا إلى ما يُعلم بالعقل وحده، وما يُعلم بالنقل وحده، وما يُعلم بهما معًا، مما أدى إلى عزل الدليل النقلي عن مجال الاستشهاد في كل ما يتوقف ثبوته عليه؛ كمعرفة الله وصفاته، وإثبات صدق النبي وصحة رسالته،