الاعتزالي في نظرته للعلاقة بين النقل والعقل، في المرحلة الأولى كان العقل مفسرًا للنص وخادمًا له ومدافعًا عنه، ثم مع الاختلاط بالفلسفة بدأت محاولات التوفيق بين الدليلين، وانتهى الأمر في المرحلة الثالثة بالتقديم الصريح للعقل على النقل.
أما المذهب الأشعري فقد اشتهر بالوسطية في هذا الباب، ويصدق هذا الوصف في المقام الأول على أبي الحسن الذي لم يظهر لديه -هو وتلامذته الأوائل- أيُّ أثر لفكرة التقديم المشار إليها، ثم مع التطور المنهجي الذي لحق بالمذهب بدأ الميل يزداد نحو النزعة العقلية، حتى وصل إلى مرحلة التنظير النهائي لفكرة تقديم العقل على النقل عند الرازي ومن أتى بعده، وكان من الطبيعي أن يؤثر ذلك على الاحتجاج بالنقل، والاستشهاد بأدلته.
خامسًا: ومع ظهور القول بتقديم العقل على النقل، كان لا بد من البحث عن طريقة للتعامل مع النصوص السمعية التي قُدمت عليها دلائل العقول، وجعلها متوافقة معها، وقد لجأ رجال المدرستين إلى واحدة من الطريقتين التاليتين:
(أ) التأويل: وقد اشترك المذهبان في تحديد مفهومه الاصطلاحي، وتعداد الأسباب الداعية إليه؛ كتعارض النقل مع العقل، أو مع نصوص أخرى، أو إيهام ألفاظه للتشبيه، ووُجد من بينهم من صرح بأن التأويل ضرورة لا بد منها، ولم يختلف موقف المعتزلة من الأخذ بالتأويل الذي ظهر مقارنًا لمرحلة النشأة، واستعمله جل رجال المذهب.
أما الأشاعرة فقد عارض أبو الحسن الإغراق في التأويل وذم منتحليه، ثم بدأ الميل نحوه بصورة أكبر عند من جاءوا بعده، ويمكن أن نعد عبد القاهر البغدادي نقطة تحول بارزة في المذهب، وإذا ما وصلنا إلى المتأخرين فتكاد الفروق تتلاشى بين موقفهم وموقف المعتزلة، وإن ظلت درجة التأويل عند المعتزلة أكثر بروزًا بحيث لم يخل منها أصل من الأصول العقدية.
(ب) التفويض: ويُقصد به صرف اللفظ عن ظاهره مع عدم التعرض لبيان المعنى المراد منه؛ بل يُترك ويوكل العلم به إلى الله تعالى من جهة المعنى والكيفية، ومن الطبيعي ألا يظهر عند المعتزلة؛ نظرًا لمباينته لمسلكهم العام الذي عُرفوا به، حيث الإعلاء من العقل ومكانته، وتحكيمه في سائر المسائل، وأيضًا لمبالغتهم في رد الفعل مقابل اتجاهات التجسيم والتشبيه، ولاعتقادهم أنه لا يوجد في القرآن ما لا يُفهم معناه، ولا يمكن للعباد أن يطلعوا على المراد منه.