فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 584

وعلى العكس من ذلك ظهر التفويض عند الأشاعرة، وتبناه الكثيرون منهم، وصار يُذكر مع التأويل كأحد مخرجين لمشكلة النصوص المتشابهة، وتجمعت عدة عوامل كانت وراء أخذ المذهب الأشعري به؛ منها: خوفهم على عقيدة العوام، ومحاولة إبعادهم عن التأويل ومزالقه، ومناسبته لسمة التوسط التي طالما افتخر الأشاعرة بها، وإمعانًا في مخالفة خصومهم من المعتزلة الذين عولوا على التأويل، وأكثروا من استخدامه.

وهكذا ومن خلال ما تقدم نخلص إلى نتيجة نهائية، تجيب عن السؤال الرئيسي الذي سبق طرحه؛ وهي أن الدليل النقلي عند المعتزلة وجمهور الأشاعرة حجة من حيث الثبوت، إذا كان قطعي الورود، ولا يتحقق ذلك إلا في النص القرآني، والسنة المتواترة، والإجماع القطعي، وأما من حيث الاستدلال فلا يكون حجة إلا مع توافر شروط ثلاثة:

(أ) أن يكون قطعي الدلالة إضافة لقطعية ثبوته.

(ب) ألا يخالف العقل أو يتعارض معه، فإذا حدث ذلك أُوِّلَ النقل أو فُوِّضَ.

(جـ) ألا يحتج به في مسائل الأصول الكبار التي لا تثبت إلا عقلًا، وتتوقف صحة النقل عليها.

وهناك مجموعة من المقترحات والتوصيات التي أظن أنها تستحق مزيدًا من العناية والبحث، وأهمها ما يلي:

1 -العمل على استكمال دراسة حجية الدليل النقلي عند الاتجاهات الأخرى غير المعتزلة والأشاعرة؛ كالخوارج، والزيدية، والماتريدية، والاثني عشرية، وتقويم آرائهم بما يؤدي في النهاية إلى تقعيد منهجية جديدة في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، ولا سيما طريقة التعامل مع النصوص السمعية، دون التقيد بمذهب أو مدرسة معينة، وتلافي المآخذ والانتقادات التي وُجهت إلى المنهج الكلامي.

2 -إبداء مزيد من الاهتمام بالدليل النقلي واستلهام نصوصه ومسلكه في الاستدلال عند تصنيف المؤلفات العقدية، ولا أقصد بذلك جانب الدلالة السمعية فقط، وإنما أيضًا الدلالة العقلية التي ينطوي عليها كثير من نصوص الوحيين، ووضع هذه الحقيقة في مقدمة أولويات أي محاولة تُبذل لتجديد الدراسات العقدية، أو إبرازها في ثوب جديد يناسب العصر وظروفه، مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت