فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 584

وبين مناهج الاستدلال المستخدمة فيه، ويبقى دور تلك المصادر في التأكيد والتقوية لما أثبته النقل، والدفاع عنه أمام شُبَه الخصوم واعتراضاتهم، وبذلك يحدث التوافق والتساند بينها، لا أن يقال بوجود خصام مفتعل أو تعارض مزعوم كان سببًا في كثير من المشاكل والخلافات على مدار تاريخ الفكر الإسلامي الطويل.

وقد حاولت جلُّ الفرق الكلامية، ومن بينها المعتزلة والأشاعرة -موضوع هذه الدراسة- أن تقيم أدلتها وحججها على دعامتين من النقل والعقل، مع المزاوجة بينهما في الاستدلال، لكن هذا التوازن المنشود كثيرًا ما أصابه الخلل، ومالت الكفة إلى أحد الجانبين، وكان من الطبيعي -وكما هو الحال في الموازين الحسية- أن يؤثر ذلك الميل على الكفة الأخرى، وينتقص من دورها ومكانتها.

وهذا ما حدث بالفعل مع الدليل النقلي، الذي تأثر كثيرًا من جرَّاء الميل إلى العقل، وإيثاره في عملية الاستدلال، مما أدى إلى تضييق مجالات الاستشهاد به، وصار مقصورًا على مسائل بعينها، وتحول عند البعض إلى مجرد مؤكِّد أو معضِّد لما ثبت عقلًا بدلًا من أن يكون مصدرًا مستقلًا بذاته، قادرًا على تأسيس سائر القضايا وإنشائها -ابتداء- دون الاعتماد على غيره.

ولم يكن هناك سبب حقيقي يدعو إلى ظهور تلك الاتجاهات المتصارعة، ما بين مُعلٍ من شأن النقل لكنه محقر للعقل، ومقلل من شأنه، ومحجم لدوره، وما بين من حكَّم العقل، وافتتن به، وتجاوز به حدوده، فأعطاه صلاحيات واسعة ومطلقة في كافة المجالات، وقد شوَّش هذان الاتجاهان على الوسطية الإسلامية الجامعة بين النقل والعقل، بتوازن عجيب، وتناسق فريد يجعل كلًّا منهما ضروريًّا للآخر، ومكملًا لدوره، فالنقل يخاطب العقل ويرتاد له المواطن التي لا يحسن ارتيادها، ولا يملك الخوض فيها، من عالم الغيب الفسيح، والعقل يفهم النص ويتدبره، ويستدل له وينافح عنه، ويهيئ له أفضل السبل للتطبيق والتنزيل على عالم الواقع (2) ، والجميع من عند الله، وحججه سبحانه تتوافق ولا تتنافر، وتتعاضد ولا تتعارض بحال من الأحوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت