فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 584

بضرب عنقه فهرب» (356) ، والذي يعنينا هنا ما يتعلق بموقفه من القرآن، فقد عزا إليه أبو الحسن الأشعري (357) ، وعبد القاهر البغدادي (358) ، والشهرستاني (359) ، والإسفراييني (360) ، أنه ينكر حرف عبد الله بن مسعود، وحرف أُبي بن كعب، ويقطع بأن الله تعالى لم يُنْزِلْهُمَا.

وتتمثل خطورة تلك المقالة فيما هو معروف من أن قراءة ابن مسعود المتواترة هي قراءة عاصم المنتشرة في أنحاء العالم الإسلامي، ويقرأ بها الغالبية العظمى من المسلمين، وإنكار حرف منها يعد إنكارًا لبعض القرآن، وكذا الحال مع قراءة أُبي، فأبو عبد الرحمن السُّلَمِي شيخ عاصم، عرض على أُبيٍّ كما عرض على عليٍّ، وقراءتهما على حدٍّ سواء فيما تواتر عنهما (361) ولعل هذا ما دفع المعتزلة إلى الإلحاح في التبرؤ من ضرار والمبالغة في ذمه، فذكر القاضي عبد الجبار أنهم «كفَّروا ضرارًا، وطردوه» (362) .

وجزم أبو الحسين الخياط بأن ضرارًا وحفصًا الفرد ليسا من المعتزلة؛ بل هما مشبهان، لقولهما بالماهية، وقولهما بالمخلوق، وفي الانتفاء منهما ومن أصحابهما أنشد بشر بن المعتمر:

فنحن لا ننفك نلقى عارًا

نفر من ذكرهم فرارًا

ننفيهم عنا ولسنا منهم

ولا هم منا ولا نرضاهم

إمامهم جهم، وما لجهم

وصحب عمرو ذي التقى والعلم (363)

ولم يكتف بشر بالرد عليه شعرًا؛ بل ألَّف مصنفًا مستقلًّا أسماه «كتاب الرد على ضرار» (364) ، مما يوحى بإحساس المعتزلة بخطورة هذا الرجل وأقواله، وقد دافع الجاحظ عن قراءتي ابن مسعود وأُبي بن كعب، وردَّ على من طعن في شيء منهما (365) ، وعبر القاضي عبد الجبار عن موقف المعتزلة العام من القراءات فقال: «القراءات المختلفة معلومة عندنا باضطرار» (366) وإن كان هذا الموقف قد ثار حوله عدد من الانتقادات ستتضح فيما بعد إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت