فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 584

للجاحظ (375) بصحة المصحف العثماني استنادًا إلى إقرار علي رضي الله عنه به، وعدم إنكاره عليه (376) ، كما وافق شيخه أبا علي الجبائي في استبعاد أن يكون قائل تلك المقالة مسلمًا؛ لأن الخطأ في الاجتهاد لا يصل بحال إلى هذه الهوة السحيقة من الطعن في القرآن، ونسبة التحريف إليه، فلا بد أن يكون مبتكرها ممن أكل الحقد على الإسلام قلبه فأنشأ هذا المذهب للطعن فيه تحت شعار التشيع، وحب أهل البيت (377) .

وأئمة الأشاعرة بدورهم ينسبون القول بالتحريف إلى الرافضة، وإن اختلفوا في انطباق ذلك على المذهب كافة، أو على بعض أفراده فحسب، فأبو الحسن الأشعري حينما حكى مذهب الرافضة في هذه القضية جعلهم ثلاث فرق، ولم ينسب إليهم جميعًا القول بالتحريف (378) ، وحذا الباقلاني حذوه، فقصره على جماعة منهم (379) ، لكن الأشعري أضاف إليهم تهمة أخرى لا تقل خطورة عن سابقتها، حيث زعم بعضهم أن نسخ القرآن موكول إلى الأئمة، وأن الله جعل لهم نسخه، وتبديله، وأوجب على الناس القبول منهم (380) ، أما أبو المظفر الإسفراييني (381) ، وكذا ابن حزم (382) من غير الأشاعرة فقد عمَّما التهمة على الروافض جميعًا، دون فرق بين المتقدمين والمتأخرين.

وجدير بالذكر أن هدفنا هنا يتركز على بيان موقف المعتزلة والأشاعرة من تلك التهمة الخطيرة، وردودهم عليها، أما التحقق من مدى ثبوتها، وهل قال الشيعة بذلك فعلًا أم لا؟ فله مجال آخر من القول، يستدعي دراسة طويلة النفس؛ لكن أظن أن نظرة عابرة في كتاب يثير عنوانه -فضلًا عن مضمونه- حفيظة كل مسلم وامتعاضه؛ وهو كتاب «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» لحسين بن محمد تقي النوري الطبرسي (ت 1320 هـ) (383) -تقطع بأن من الشيعة إن لم يكن كثير منهم من يقول بوقوع التحريف، فقد أورد الطبرسي في كتابه الذي قارب أربعمائة صفحة ما يربو على ألفي رواية عن أئمة الشيعة، وكلها ناطقة بإثبات التحريف، ومنها ما هو مروي في أصح كتاب عندهم؛ وهو «الكافي» للكليني، والذي تعدل منزلته «صحيح البخاري» عند أهل السُّنَّة، ولعل أشد ما في الكتاب استبشاعًا -وإن كان كل ما فيه بهذا الوصف -ما أورده من ذكر سورة كاملة تُدعي سورة الولاية (384) ، زعم أن الصحابة أسقطوها من المصحف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت