الملاحظة الأولى: أنه ربما كان من الأفضل أن يقيد شقه الأول بصورة أكثر تحديًدا، فيصير «حجية الدليل النقلي في المسائل العقدية» بدلًا من إطلاقه هكذا، حيث يتسع مفهومه ليشمل جانبي الاعتقاد والتعبد معًا.
ولكن أظن أن ذكر المعتزلة والأشاعرة، وهما مذهبان كلاميان في المقام الأول وليسا مذهبين فقهيين أو أصوليين- يصرف الذهن مباشرة إلى جانب الاعتقاد لا التعبد، كما أن عناوين المباحث داخل الفصول قد نصت على هذا التقييد، وإن كان هذا التوسيع من دائرة العنوان قد أفاد الرسالة حينما تعيَّن عليها دراسة موقف المدرستين من حجية الدليل المعين في مجال التعبد كمؤشر لبيان موقفهما من حجيته في مجال الاعتقاد، وهذا ما حدث في الكلام عن حجية أخبار الآحاد، وأقوال الصحابة.
الملاحظة الثانية: أن دراسة موقف المعتزلة ككل أو الأشاعرة ككل، منذ نشأة المذهب وعبر مختلف العصور- أمر في غاية الصعوبة، وربما أدى إلى إصابة البحث بالسطحية وعدم التعمق والاستقصاء، وكل ذلك مخالف لقواعد المنهج العلمي وبدهياته المقررة، وكان من الأفضل الاقتصار على فترة زمنية محددة، أو أشخاص بأعينهم من بين أئمة المذهبين.
والواقع أنني فكرت في ذلك لبعض الوقت، لكنني آثرت في النهاية ترك الموضوع على هذا الحال لأنه أجدر -من ناحية- بإعطاء صورة متكاملة عن موقف المدرستين دون الاقتصار على فترة أو أشخاص بأعينهم، وبذلك تُسد ثغرة في خدمة البحث العلمي، ثم لوجود عدد من الاعتبارات، أهمها ما يلي: