فهرس الكتاب
الصورة والمثل القرآني فتأمل ذلك؛ فإن هذا ملمح خطير ولطيف لا يلحظه سوى من يعيش مع الآيات بقلبه وروحه ووجدانه ...
2.فإن قلت: أى التمثيلين أبلغ؟
قلت: في كل من البلاغة ما فيه ولكن الثاني أبلغ (في رأى الزمخشري؛ ويقول: لأنه أدل على فرط الحيرة وشدّة الأمر وفظاعته، ولذلك أُخِّر مجيئه بعد المثل الناري، وهم(أى العرب في بلاغتهم) يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ (ومن الأدنى إلى الأعلى لزيادة المعنى إيضاحا والتفنن في إيصاله للمخاطب) .
3.فإن قلت: لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك (أو) ؟
قلت: (أو) في أصلها لتساوى شيئين فصاعدا في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك، وذلك قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، تريد أنهما سيان في استحسان أن يُجالسا، ومنه قوله تعالى: (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) ، أى الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما ..
فكذلك قوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ) معناه أن حال المنافقين مشابهة لحال هاتين القصتين والمثلين، وأن القصتين والحالتين سواء في اشتمالهما على وجه التمثيل وتبيين حال المنافقين، فبأيتهما تصورت وتمثلت حال المنافقين فأنت مصيب، وإن تمثلت بهما جميعا فكذلك.
وقيل (أو) بمعنى الواو وهو للتنويع في التشبيه والبيان ...
4.ومن مظاهر البلاغة القرآنية الراقية في هذا المثل الكثير منها:
تنكير"صيب"للتهويل لأنه أريد نوع من المطر الشديد الهائل. كما نكرت النار في التمثيل الأول ....
وقوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أصابعهم في آذانهم .. ) هو كلام مستأنف، لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يوحي بالشدّة والهول، فكأن قائلا قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) .. ثم قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟ فقيل:"يكاد البرق يخطف أبصارهم".
فإن قلت: رأس الأصبع هو الذي يجعل في الأذن فهلا قيل أناملهم (أطراف الأصابع) ؟
قلت: هذا من الاتساعات في اللغة التي لا يكاد الحاصر يحصرها، وقصدها المبالغة في تصوير خوفهم وتأثير هذا الخوف عليهم وهو تعبير موحي.