فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 604

فإن قلت: فالأصبع التي تسدّ بها الأذن أصبع خاصة (هى السبابة) ، فلم ذكر الاسم العام (الأصبع) دون الخاص (السبابة التي توضع في الأذن) ؟

قلت: لأن السبابة فعَّالة من السب، فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن فلا يليق بالقرآن أن يقول: جعلوا الأصبع السبابة في آذانهم. ألا ترى أن العرب قد استبشعوها فكنوا عنها بالمُسبِّحة والسبَّاحة والمُهلِّلة والدّعاءة .. وهذا دأب القرآن في تعليم الخلق التكنية عن القبيح كمثل قوله تعالى"هن لباس لكم وأنتم لباس لهن"قال ابن عباس: إن الله حيي كريم يكني عن الجماع .. وهذا من لطيف الإشارات والفوائد في القرآن العظيم.

وقوله سبحانه:"كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مشوا فيه .."استئناف ثالث للكلام كأنه جواب لمن يقول: كيف يصنعون في حالات خفق البرق وخفوته؟. وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون، إذا صادفوا من البرق خفقة، مع خوف أن يخطف أبصارهم، انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفى وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة، ولو شاء اللَّه لزاد في قصيف الرعد فأصمهم، أو في ضوء البرق فأعماهم.

(قلت: فتأمل معي عبقرية الصورة القرآنية في تجديد المشهد القرآني؛ من خلال تلك الاستئنافات المتعددة .. التي تخطو بالصورة شيئا فشيئا ناحية الوضوح .. وكأنها ومضات تضئ المشهد الكلى رويدا رويدا في عبقريةٍ وجمالٍ وأناةٍ حتى يكتمل في الروح والشعور .. ) ..

فإن قلت: كيف قيل مع الإضاءة:"كلما"أضاء لهم مشوا فيه"، ومع الإظلام:"وإذا"أظلم عليهم قاموا"؟ قلت لأنهم في حرص شديد على وجود ما يهمهم من إمكان المشي ومجئ النور، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها؛ فأتى اللفظ الملائم تماما لحالة الانتظار والترقب (كلما) ، وليس كذلك حين الاظلام و التوقف (الذي يباغتهم فجأة على غير انتظار ولا ترحيب به؛ فهنا جاء اللفظ المناسب لحالة المباغتة والمفاجئة(إذا) [1] .

ويقول سيد قطب [2] : (ومثل آخر يصور حالهم ويرسم ما في نفوسهم من اضطراب وحيرة وقلق ومخافة:"أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ(19) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما"

(1) راجعت كثيرًا من هذه النكت البلاغية ونقلت منها في تفسير الكشاف ج 1 من ص 85 إلى 88 ـ دار الكتاب العربى ـ بيروت ـ

(2) (في الظلال ج 1 ص 46 دار الشروق بيروت القاهرة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت