فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 604

بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36] [1] .. يقول لهم: فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادَكم وسائرَ الخلق غيرَكم، وهو يقدرُ على ضرّكم ونَفعكم - أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نَفعٍ ولا ضرٍّ ... وإفراد الله تعالى بالعبادة من أجل تتقوا سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم، وتكونُوا من المتقين الذين رضي الله عنهم .. {لعلكم تتقون} [2] ..

وقوله تعالى: {الذي جَعل لكم الأرض فِرَاشًا} تعود على {الذي} الأولى في قوله {اعبدُوا ربكم الذي خَلقَكم} ، وهما جميعًا وصف {ربكم} ، فكأنّه قال: اعبدُوا ربكم الخالق والجاعلَ لكم الأرض فراشًا. يعني مهادًا مُوَطَّأً وقرارًا يستقرّ الخلق عليها. وهنا يُذكِّرُ ربّنا جلّ ذكره عبادَهُ بنعمه عندهم وآلاءه عليهم ليذْكروه، فينيبوا إلى طاعته عطفًا، ورأفةً، ورحمةً لهم، وليُتم نعمته عليهم من غير ما حاجةٍ منه سبحانه إلى عبادتهم .. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} ..

وقوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} سُميت سماءً لعلوها وإشرافها على الأرض .. عن قتادة قال: جعل السماء سَقفًا لكم .. وإنما ذكر الله تعالى السماءَ والأرض لأن منهما أقوات الناس ومعايشهم، وبهما تقومُ دُنياهم .. فأعلمهم أن الذي خَلقهما وكل ما فيهما وما هم فيه من النعم، هو المستحقّ عليهم الطاعة، والمستوجبُ منهم الشكرَ والعبادةَ، دون الأصنام والأوثان والآلهة، التي لا تضرُّ ولا تنفع.

قال الله تعالى: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} .. يعني تعالى ذكره بذلك أنه أنزل من السماء مطرًا، فأخرج بذلك المطر مما تنبت الأرض من زرعهم وغَرْسهم ثمراتٍ غذاءً لهم وقوتًا. فنبههم بذلك على قدرته وسُلطانه، وذكَّرهم بآلاءه، وأنه هو الخالق الرزاق القيوم، دون من جعلوه له نِدًّا وعِدْلا من الأوثان والآلهة .. ثم زَجَرهم عن أن يجعلوا له ندًّا، مع علمهم بكل ذلك .. يقول تعالى: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) } والأنداد جمع نِدّ، والنِّدّ: العِدْلُ والمِثل، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، قال: أكفاءً من الرجال تطيعونهم في معصية الله .. [قال ابن كثير:"وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت! قال: أجعلتني لله ندًّا؟!"[3] .. وهذه مبالغة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حماية جناب التوحيد].

(1) قال السمرقندي في تفسيره: الشيطان والكاهن والصنم وكل من يدعو إلى ضلالة.

(2) [قال العلامة أحمد شاكر: يريد الطبري أن العرب تستعمل"لعل"أحيانا بغير معنى الشك، بمعنى لام الغاية = كي، كما قال ابن الشجري في أماليه]

(3) قال العلامة أحمد شاكر في تحقيقه تفسير الطبري: والحديث الذي يشير إليه ابن كثير، رواه أحمد في المسند بأسانيد صحاح، عن ابن عباس: 1839، 1964، 2561، 3247. وكذلك رواه البخاري في الأدب المفرد ص: 116 ونسبه الحافظ ابن حجر في الفتح 11: 470 للنسائي وابن ماجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت