فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 604

-قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) }

قمة التحدي الرباني للناس جميعا .. تحدي الناس مرتين .. مرةً لأساطين اللغة والبلاغة والفصاحة من العرب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يأتوا بمثل هذا القرآن؛ بل بسورة مثله .. ثم تحدي للناس إلى يوم القيامة أن ياتوا مثله أو مثل هداياته وإعجازاته الخالدة .. وهو احتجاج على صدق الرسالة كما احتج قبلها على التوحيد لتكتمل أركان العقيدة في برهنة وحجج دامغةٍ بسيطةٍ عميقةٍ ومعجزة .. لترسم معالم العقيدة على طريقة القرآن.

قال أبو جعفر ما ملخصه: وهذا من الله عز وجل احتجاجٌ لنبيه على مشركي العرب ومنافقيهم، وكفار أهل الكتاب، وأمثالهم في كل عصر، قال الله جلّ ثناؤه: وإن كنتم في شكٍّ مما نزّلنا على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم من النور والبرهان وآيات الفرقان: أنه من عندي، فلم تُؤمنوا برسولي ولم تصدّقوه، فأتوا بحجة تدفع حُجته، ومن حجته على صدقه، وبُرْهانه على حقيقة نبوته عَجزُ جميعكم وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم، عن أن تَأتوا بسورةٍ من مثل ما أنزلت عليه. وإذا عَجزتم عن ذلك -وأنتم أهل البراعة في الفصاحة والبلاغة - فقد علمتم أن غيركم عن ذلك أعْجزُ .. فيتأكد لذوي الألباب أنّ محمدًا لم يتقوَّله ولم يختلقْه.

عن قتادة:"فأتوا بسورة من مثله"، يعني: من مثل هذا القرآن حقًّا وصدْقًا، لا باطل فيه ولا كذب .. وقد قال قوم آخرون: إن معنى قوله:"فأتُوا بسورة من مثله"، من مثل محمد من البشر، لأن محمدًا بشر مثلكم.

وإنما عنى: ائتوا بسورة من مثله في البيان، لأنّ القرآن أنزله الله بلسان عربيّ، وموضع التحدي ان يتحداهم بما يملكون ويقدرون عليه من نظم البلاغة والفصاحة .. وأما أن يطالبهم بمثله في المعاني والهداية فلا يستطيعون ابتداءً ولا يأتي به التحدي؛ فإن عجزوا وهم أهل اللسان والفصاحة ومسوقي الكلمة عن تقليد نظم القرآن فغيرهم ممن ليس على فصاحتهم أو لغتهم أعجز.

ولقد هذا التحدي في القرآن العظيم على درجات .. الأولى: حين تحداهم على ان يأتوا بمثل هذا القرآن {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (الإسراء 88) .. ثم لما عجزوا تحداهم بعشر سور {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (هود 13) .. ثم ارتقى التحدي ليصبح بسورة واحدةٍ ولو أقصر سورة .. وفي كل يزداد التحدي إثارةً حين يتحداهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت