وهم جميع .. إنس وجن .. عربي وأعجمي .. على مدى الزمان وفي كل الأمم .. في أشد ما يكون من التحدي الجالب للحقيقة الكبرى والبرهان الرباني الأعظم على صدق الرسالة.
وتحدَّاهم بأساليب في غاية التوبيخ لهم فقال تعالى: {وادعوا شهداءكم من دون الله إنْ كنتمْ صَادقين} . قال الطبري: يعني بذلك: إن كنتم في شَكّ في صدق محمد فيما جاءكم به من عندي، فأتوا بسورة من مثله، وليستنصر بعضُكم بعضًا على ذلك إن كنتم صادقين في زعمكم، حتى تعلموا أنكم إذْ عَجزتم عن ذلك - أنّه لا يقدر على أن يأتي به محمد صلى الله عليه وسلم وهو وحيد، ولا من البشر أحدٌ، ويَصحَّ عندكم أنه تنزيلي وَوحيي إلى عبدي.
وأما وصف الآية محمدًا ب {عبدنا} ففيه هذا الإيماء الشريف بالمنزلة والتكريم والتشريف في وصف محمد - صلى الله عليه وسلم - بالعبودية التي هى أشرف مقامات المحسنين وأرقى درجات للمؤمنين .. فَذكره سُبْحَانَهُ باسم عبوديته فِي أشرف مقاماته: فِي مقَام الاسراء، ومقام الدعْوَة، ومقام التحدي .. فَقَالَ سبحانه فِي مقَام الاسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} ؛ وَلم يقل (بِرَسُولِهِ، وَلَا نبيه) إِشَارَةً الى أنه قَامَ هَذَا الْمقَام الأعظم بِكَمَال عبوديته لرَبه سبحانه، وَقَالَ تعالى فِي مقَام الدعْوَة: {وَأَنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا} ، وَقَالَ تعالى فِي مقَام التحدي: {وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله} .. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة وتراجع الانبياء فِيهَا وَقَول الْمَسِيح - عليه السلام:"اذْهَبُوا الى مُحَمَّد عبد غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر"، فَدلَّ ذَلِك على أنه نَالَ ذَلِك الْمقَام الأعظم بِكَمَال عبوديته لله، وَكَمَال مغْفرَة الله لَهُ .. [1]
وَقد ثَبت في مسند أحمد وغيره: أن الله سُبْحَانَهُ أرسل جِبْرِيل إلى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - يخيِّره بَين أن يكون ملكا نَبيا، أَوْ عبدًا نَبيًا، فَنظر إلى جِبْرِيل كالمستشير لَهُ؛ فأشار إليه أن تواضع، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: (بل أكون عبدًا نَبيًا) ..
يقول ربنا تبارك وتعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} فإن لم تفعلوا يعني فيما مضى ولن تفعلوا أي تطيقوا ذلك فيما يأتي .. فاتقوا النار بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم وطاعة الله تعالى وترك العناد الردى المُردي ..
وفي قوله: {ولن تفعلوا} إثارة لهممهم، وتحريك لنفوسهم، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها، ومن إعجاز القرآن وإيراده التحدي بعد التحدي،
(1) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/ 5)