فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 604

والبرهان بعد برهان .. قال ابن كيسان: ولن تفعلوا توقيفا لهم على أنه الحق، وأنهم ليسوا صادقين فيما زعموا من أنه كذب، وأنه مفترى وأنه سحر وأنه شعر، وأنه أساطير الأولين، وهم يدعون العلم ولا يأتون بسورة من مثله.

[قال الزمخشري في بلاغة الآية ومعناها ما حاصله: إن استبنتم العجز فاتركوا العناد والمكابرة. ووضع"فاتقوا النار"موضع جواب الشرط، لأن اتقاء النار يلاصقه ويلازمه هنا ترك العناد، حيث إنه من نتائجه. لأن من اتقى النار ترك المعاندة. ونظيره أن يقول الملك لحشمه:"إن أردتم الكرامة عندي، فاحذروا سخطي". يريد: فأطيعوني واتبعوا أمري، وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط. وهو من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة. وفائدته: الإيجاز، الذي هو حلية القرآن، وتهويل شأن العناد، بوضع اتقاء النار مكانه، وإبرازه في صورته، متبِعا ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أمرها. انتهى وهو من دقيق نظر الطبري رحمه الله وغفر للزمخشري.] ..

ثم إن التحدي يزداد قوةً بعد قوةٍ وحجةً بعد حجةٍ على المعاندين للمتأملين في لفظة {نزَّلنا} في الآية الكريمة .. يقول صاحب الكشاف [1] :

فان قلتَ: لم قيل: (مِمَّا نَزَّلْنا) على لفظ التنزيل (بالتنضعيف) دون (أنزلنا) التي هى من الإنزال؟

قلتُ: لأن المراد نزول القرآن على سبيل التدريج والتنجيم، وهو في مكانه العظيم من قضية التحدي. وذلك أنهم كانوا يقولون: لو كان هذا من عند اللَّه مخالفًا لما يكون من عند الناس، لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة وآيات تلو آيات، على حسب النوازل وتوارد الحوادث، وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر، من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينًا فحينًا، وشيئًا فشيئا حسب ما يظهر لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة، لا يلقى الناظم ديوان شعره دفعةً واحدة، ولا يرمى الخطيب بمجموع خطبه أو رسائله ضربةً واحدة، فلو أنزله اللَّه لأنزله خلاف هذه العادة، وأنزله جملةً واحدة: قال اللَّه تعالى: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً} ، فقيل لهم: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهلٍ وتدريج، فهاتوا أنتم نوْبةً واحدة من نوبه، وهاتوا نجمًا فردًا من نجومه: سورة من أصغر السور، أو آيات شتى مفتريات. وهذه هى الغاية في التبكيت، ومنتهى إزاحة العلل ورد العناد. ا. ه.

قلتُ: وهو تحدٍ بعد تحدي لمن كلن له عقل وأعمل فكره ونسى هواه لحظةً واحدة .. فإن تنجيم القرآن (= نزوله مفرقًا) أدعى لتشتت مذاهبه، وضعف بنيته وعدم اتساق مبانيه فضلا عن معانيه ..

(1) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 96) بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت