فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 604

ولكن الإعجاز في التئامه لحُمةً واحدةً ونسيجًا متسقًا رغم تنزّله على مدى بضع وعشرين سنة منجمًا على الحوادث .. وهذا منحى من الإعجاز فريد لا يدركه إلا المتأملون المتدبرون .. [1]

(1) راجع كتاب (النبأ العظيم) للعلامة الدكتور محمد عبد الله دراز فإن فيه تفصيل رائع لهذه النقطة وغيرها من إعجازات القرآن الكريم. يقول العلامة ابن كثير في تفسيره الماتع:

(ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفيه، من حيث اللفظ ومن جهة المعنى قال تعالى: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} فأُحكمَت ألفاظه، وفُصِّلت معانيه، فكلٌّ من لفظه ومعناه فصيح لا يُحاذَى ولا يُدانى ..

فقد أخبر عن مغيباتٍ ماضية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواءً بسواء، وأمر بكل خيرٍ ونهى عن كل شرٍ كما قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} أي صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام، فكلُّه حقٌ وصدق، وعدل وهدى، ليس فيه مجازفةٌ ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر (إن أعذبه أكذبه) وتجد في القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخصٍ معينٍ أو فرس أو ناقة أو حرب، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئًا، ثم تجد له فيه بيتًا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد، وسائرها هذرٌ لا طائل تحته ..

وأما القرآن فجميعه فصيحٌ في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلًا وأجمالًا، ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملتَ أخباره وجدتها في غاية الحلاوة سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكرَّر حلا وعلا، لا يخلُق عن كثرة الرد، ولا يَملُّ منه العلماء ..

وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات؟

وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، وشوّق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن كما قال في الترغيب: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} ، وقال: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} ..

وقال في الترهيب: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر} ، {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} ، وقال في الزجر: {فلا أخذنا بذنبه} ، وقال في الوعظ: {أفرأيت إن متّعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يُمتَّعون} إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة.

وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي اشتملت على الأمر بكل معروفٍ حسنٍ نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيحٍ رذيل دنيء؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت اللّه تعالى يقول في القرآن: يا أيها الذين آمنوا فأرْعها سمعك فإنها خيرٌ يأمر به أو شر ينهى عنه، ولهذا قال تعالى: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} الآية ..

وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال وفي وصف الجنة والنار وما أعد اللّه فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم، والملاذ والعذاب الأليم، بشرت به وحذرت وأنذرت؛ ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهَّدت في الدنيا ورغَّبت في الأُخرى، وثبتت على الطريقة المثلى، وهدت إلى صراط اللّه المستقيم، وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم.

ولهذا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:"ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أُعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إليّ فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة (رواه الشيخان عن أبي هريرة واللفظ لمسلم) "، وقوله صلى اللّه عليه وسلم:"وإنما كان الذي أوتيتُه وحيًا"أي الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية فإنها ليست معجزة عند كثير من العلماء واللّه أعلم، وله عليه الصلاة والسلام من الآيات الدالة على نبوته وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر، وللّه الحمد والمنة. انتهى مُختصرًا من تفسير العلامة ابن كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت