فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 604

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَرِّرُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ يسْتَلْزِم أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَجْعَلُ الْأَوَّلَ دَلِيلًا عَلَى الثَّانِي، إِذْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ المعنى الْأَوَّلَ، وَيُنَازِعُونَ فِي الثَّانِي، فَيُبَيِّنُ لَهُمْ سُبْحَانَهُ أَنَّكُمْ إِذَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي الْعِبَادَ بِمَا يَنْفَعُهُمْ، وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ مَا يَضُرُّهُمْ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَلِمَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وَتَجْعَلُونَ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى؟ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} (النَّمْلِ: 59 - 60) [1] .

وهذا من بديع حجاج القرآن وعظيم برهانه وطريقته البسيطة العميقة التي يفهمها العامي ولا يستقلها المتبحر؛ بل يجد من وضوحها ووجازتها ما يعجب كل ذي عقل صحيح .. فإنه استدل بما لا ينكره المعاندون من ربوبيته للخلق جميعا وفقر الخلائق إليه وغناه عنها على ما يجب لله سبحانه من توحيد العبادة والإنابة والاستعانة.

قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}

ثم نرى الذكر الحكيم يثبت النبوة بنفس الطريقة العميقة الواضحة التي أثبت بها الوحدانية والبعث ..

وإن شئت فاقرأ قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) }

يقول صاحب الكشاف - عفا الله عنا وعنه: لما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويحققها، ويبطل الإشراك ويهدمه، وعلم الطريق إلى إثبات ذلك وتصحيحه، وعرفهم أنّ من أشرك فقد كابر عقله وغطى على ما أنعم عليه من معرفته وتمييزه- عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات نبوّة محمد صلى اللَّه عليه وسلم، وما يدحض الشبهة في كون القرآن معجزة، وأراهم كيف يتعرفون أهو من عند اللَّه كما يدعى، أم هو من عند نفسه كما يدعون. بإرشادهم إلى أن يحزروا أنفسهم ويذوقوا طباعهم وهم أبناء جنسه وأهل جلدته. ا. ه. [2]

فهذا التحدي هو من أوقع السبل في إثبات الحجة على المعاند المشاكس ..

ثم نعود فنقول: وهنا يعلمنا القرآن كيف نستدل على اعتقادنا من كلام الله وليس بالترهات الفارغة والسفسطة الكلامية الفلسفية المنطقية العقيمة .. ولقد اختلط علم الكلام عند المعتزلة بالفلسفة اليونانية وصار الدليل الشرعي خادما لها .. وكثرت مصطلحاته وتعقيداته واعتماده على المنطق الصوري الفاشل عند الأشاعرة وصار الدليل الشرعي معضدًا لا أساسًا .. فلله الأمر من قبل ومن بعد.

(1) راجع شرح الطحاوية ت الأرناؤوط (1/ 29 - 36) .

(2) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 96)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت