فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 604

يؤكد العلامة الزركشي [1] أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبَرَاهِينِ وَالْأَدِلَّةِ بطريقته الواضحة وحجته الناصعة التي فهمها العالم والعامي لموافقتها للفطرة والبديهة، وَمَا مِنْ بُرْهَانٍ وَدَلَالَةٍ العَقْلِيَّةِ منها وَالسَّمْعِيَّةِ إِلَّا وَكِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ نَطَقَ بِهِ لَكِنْ أَوْرَدَهُ تَعَالَى عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ (في البلاغة والفصاحة والوضوح) دُونَ دَقَائِقِ طُرُقِ الْمُتَكَلِّمِينَ (والمتفلسفة) ، ويرجع ذلك لِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أن الله تعالى يقول: {وما وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ليبين لهم} . الْآيَةَ .. فإذا كان القرآن بلسان العرب ويخاطب عقولهم ابتداءًا فهو على طريقتهم ويناسب فهمهم بغير دقائق الفلسفة التي غزت عقول المتعالمين جرَّاء احتكاكهم بثقافة العجم والفرس، ولم تجر عليهم سوى الفرقة والأهواء المُضلِّلة ..

وَ الأمر الثَّانِي: أَنَّ الذي يميل إِلَى الدَقِيقِ (والمُعقَّد) من وسائل الْمُحَاجَّةِ (الجدل) والإقناع هُوَ الْعَاجِزُ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ بِالواضح البيِّن مِنَ الْكَلَامِ ..

فَإِنَّ مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُفْهِمَ ويوصل فكرته والمعنى الذي يريد بِالْأَوْضَحِ الَّذِي يَفْهَمُهُ الْأَكْثَرُونَ من العوام والعلماء لَمْ يَتَخَطَّ ذلك إِلَى الْأَغْمَضِ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْأَقَلُّونَ (المتفلسفون المتحذلقون) ، وَلَمْ يَكُنْ يصنع الألغاز والأحاجي والمعقد من القول والفكر ..

فَأَخْرَجَ سبحانه وتَعَالَى مُخَاطَبَاتِهِ فِي مُحَاجَّةِ خَلْقِهِ فِي أَجَلِّ صُورَةٍ وأوضحها، ومع ذلك تَشْتَمِلُ عَلَى أَدَقِّ دَقِيقٍ .. لِتَفْهَمَ الْعَامَّةُ مِنْ جَلِيلِهَا وواضحها مَا يُقْنِعُهُمْ وَيُلْزِمِهُمُ الْحُجَّةَ، وَتَفْهَمُ الْخَوَاصُّ من العلماء والمتأملين المتدبرين مِنْ دقائق فقهها مَا يرضي علمهم ويزيدهم يقينا .. [2]

قال القرطبي في تفسيره:

قوله تعالى: {أعدت للكافرين} ظاهره أن غير الكافرين لا يدخلها وليس كذلك، بدليل ما ذكره في غير موضع من الوعيد للمذنبين وبالأحاديث الثابتة في الشفاعة، على ما يأتي. وفيه دليل على ما يقوله أهل الحق من أن النار موجودة مخلوقة، خلافا للمبتدعة في قولهم إنها لم تخلق حتى الآن .. روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال كنا مع رسول الله إذ سمع وجبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تدرون ما هذا قال قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها. وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احتجت النار والجنة فقالت هذه: يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه: يدخلني الضعفاء

(1) راجع البرهان في علوم القرآن (2/ 24 - 27) الطبعة: الأولى، 1376 هـ - 1957 م، الناشر: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه

(2) راجع مشكورا مبحث: الجدل وتقرير العقيدة في القرآن العظيم .. من جزء المقدمة من كتابنا هذا .. والله ولى التوفيق ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت