صراحة:"إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) ".
و من الدعوة إلى الصبر و احتمال الأذى:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ".. إلى المقاومة المسلحة:"وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) ".
وتزداد عجبًا وتقف مشدوهًا حينما تصطدم بسرٍ معجزٍ جديد في ترتيب سور القرآن وتناسقها ووحدة وتكامل منهجها الرباني العظيم ...
يقول السيوطي في الاتقان:
[قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: وَسُورَةُ الْفَاتِحَةِ تَضَمَّنَتِ الْإِقْرَارَ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالِالْتِجَاءَ إِلَيْهِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ وَالصِّيَانَةَ عَنْ دِينِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ تَضَمَّنَتْ قَوَاعِدَ الدِّينِ، وَآلِ عِمْرَانَ مُكَمِّلَةٌ لِمَقْصُودِهَا .. فَالْبَقَرَةُ بِمَنْزِلَةِ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى الْحُكْمِ، وَآلُ عِمْرَانَ بِمَنْزِلَةِ الْجَوَابِ عَنْ شُبُهَاتِ الْخُصُومِ، وَلِهَذَا وَرَدَ فِيهَا ذِكْرُ الْمُتَشَابِهِ لِمَا تَمَسَّكَ بِهِ النَّصَارَى وَأَوْجَبَ الْحَجَّ فِي آلِ عِمْرَانَ .. وَأَمَّا فِي الْبَقَرَةِ فَذَكَرَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ، وَأَمَرَ بِإِتْمَامِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ .. وَكَانَ خِطَابُ النَّصَارَى فِي آلِ عِمْرَانَ أَكْثَرَ، كَمَا أَنَّ خِطَابَ الْيَهُودِ فِي الْبَقَرَةِ أَكْثَرُ لِأَنَّ التَّوْرَاةَ أَصْلٌ وَالْإِنْجِيلَ فَرْعٌ لَهَا .. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ دَعَا الْيَهُودَ وَجَاهَدَهُمْ، وَكَانَ جِهَادُهُ لِلنَّصَارَى فِي آخِرِ الْأَمْرِ .. كَمَا كَانَ دُعَاؤُهُ لِأَهْلِ الشِّرْكِ قَبْلَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلِهَذَا كَانَتِ السُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ فِيهَا الدِّينُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ فَخُوطِبَ بِهِ جَمِيعُ النَّاسِ، وَالسُّوَرُ الْمَدَنِيَّةُ فِيهَا خِطَابُ مَنْ أَقَرَّ بِالْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُؤْمِنِينَ فَخُوطِبُوا بِ"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ، يَا بَنِي إسرائيل، يأيها الَّذِينَ آمَنُوا"..
وَأَمَّا سُورَةُ النِّسَاءِ فَتَضَمَّنَتْ أَحْكَامَ الْأَسْبَابِ الَّتِي بَيْنَ النَّاسِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، وَمَقْدُورَةٌ لَهُمْ كَالنَّسَبِ وَالصِّهْرِ وَلِهَذَا افْتَتَحَتْ بِقَوْلِهِ: {اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} ثُمَّ قَالَ: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي