فهرس الكتاب
درجة ومحيت بها عنه خطيئة» يحتمل فما عدا الشوكة وتجاوزها في القلة وهي نحو نخبة النملة في قوله عليه الصلاة والسلام:"ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة"وهي عضتها. ويحتمل ما هو أشد من الشوكة وأوجع كالسقوط على طنب الفسطاط .. فإن قلت: كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟ قلت: ليس كذلك، فإن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات، وقد ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلًا للدنيا، وأنشدت لبعضهم:
يَا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَنَاحَها ... في ظُلْمَة اللَّيْلِ البَهِيمِ الأَلْيَلِ
وَيَرى عُرُوقَ نِيَاطِها في نَحرِها ... والمُخَّ في تِلْكَ العِظَامِ النُّحَّلِ
اغْفِرْ لِعَبْدٍ تابَ مِنْ فَرَطاتِه ... ما كانَ مِنْهُ في الزَّمانِ الاوَّلِ] انتهى [1]
يقول أبو الليث السمرقندي (المتوفى: 373 هـ) في تفسيره:
[وقال بعضهم: فما فوقها أي بما دونها في الصغر، وهذا من أسماء الأضداد يذكر الفوق، ويراد به دونه، كما يذكر الوراء ويراد به الأمام مثل قوله: {وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} [الإنسان: 27] أي أمامهم، فكذلك الفوق يذكر ويراد به ما دونه،، فكيف يمتنع من ضرب المثل بالبعوضة، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يخلقوا بعوضة لا يقدرون عليه.] انتهى [2]
• {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} ، قال السمرقندي: أي إنما ضرب المثل ليضل به كثيرًا من الناس، يعني يخذلهم ولا يوفقهم ..
{وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} ، يعني يوفق به على معرفة ذلك المثل كثيرًا من الناس وهم المؤمنون. وقال بعضهم: معنى قوله {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} ، أي يسميه ضالًا، كما يقال: فسّقت فلانًا، أي سميته فاسقًا، لأن الله تعالى لا يضل به أحدًا، وهذا طريق المعتزلة، وهو خلاف جميع أقاويل المفسرين، وهو غير مستعمل في اللغة أيضًا، لأنه يقال: ضلله إذا سمَّاه ضالًا ولا يقال: أضله إذا سماه ضالًا، ولكن معناه ما ذكره المفسرون أنه يخذل به كثيرًا من الناس مجازاة لكفرهم .. ثم قال تعالى: {وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ} أي وما يهلك به وأصل الضلالة الهلاك؛ ففي اللغة يقال: ضلّ الماء في اللبن إذا صار ذاب فيه وهلك. والمعنى: وما يهلك بمثل هذا المثل، وما يخذل به، إلا الفاسقين، وأصل الفسق في اللغة هو: الخروج عن الطاعة، والعرب تقول: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ويقال للفأرة: فويسقة،
(1) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 113 - 114)
(2) تفسير السمرقندي = بحر العلوم (1/ 37)