لأنها تخرج من الجحْر وقال الله تعالى {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] أي خرج عن طاعة ربه] انتهى [1] .
يقول العلامة البيضاوي:
[ {الْفاسِقِينَ} أي الخارجين عن حد الإيمان، كقوله تعالى: {إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ} من قولهم: فسقت الرُطَبة عن قشرها إذا خرجت. وأصل الفسق: الخروج عن القصد ..
والفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وله درجات ثلاث:
الأولى: التغابي وهو أن يرتكبها أحيانًا مستقبحًا إياها.
الثانية: الانهماك وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبالٍ بها.
الثالثة: الجحود وهو أن يرتكبها مستصوبًا إياها (ومستحلا لها) ، فإذا شارف هذا المقام وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر. وما دام هو في درجة التغابي أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمى الإيمان .. والمعتزلة لما قالوا: الإيمان: عبارة عن مجموع التصديق والإقرار والعمل، والكفر تكذيب الحق وجحوده. جعلوه قسمًا ثالثًا نازلًا بين منزلتي المؤمن والكافر لمشاركته كل واحد منهما في بعض الأحكام (أقول - محرره: ولكن المعتزلة حكموا عليه بالخلود في النار مثل قول الخوارج وهذا مخالف للحق الذي قرره البيضاوي بتفصيله رحمه الله تعالى) .] انتهى [2]
وزيادة لهذا التفصيل نقول: أجمع علماء السنة والجماعة أن الإيمان اعتقادٌ وتصديقٌ وإقرارٌ بالقلب؛ وقولٌ باللسان؛ وعملٌ بالقلب والجوارح .. ومن هنا كان أصل الايمان عند اهل السنة والجماعة هو اعتقاد القلب وتصديق العمل لهذا الاعتقاد .. فإذا ما ترك مسلمٌ العمل بالكلية واعتقد عدم قيمته خرج من الايمان بالكلية حتى يتوب .. وإن اعتقد بقلبه ان العمل من الدين وعصى بجوارحه وفعل الذنوب والكبائر .. فالذنوب في حاله نوعان: نوع من الذنوب المُكفِّرة تقدح في أصول الايمان فيكْفُر المرء بها؛ مثل سب الدين أو سب الله أو الرسول أو الاستهزاء بهما أو الاستهزاء بالدين والقرآن أو تولي الكفار ومساعدتهم على المسلمين؛ أو استحلال الكبائر بقلبه معتقدا حلها كمَن يستحل الحكم بغير ما أنزل الله تعالى ويرى الحكم الوضعي البشري أكمل أو مساوٍ لحكم الله ورسوله ... وما إلى ذلك؛ فهذه كلها ذنوبٌ تجحد أصل ادعاء الايمان وتخرج لدائرة الكفر؛ وإن اختلفنا في تكفير الشخص المعين بها إلا بعد انتفاء الموانع التي تمنع إطلاق اسم الكفر عليه من الجهل، والتأويل بعد البيان، والخطأ، والنسيان والإكراه ...
(1) تفسير السمرقندي = بحر العلوم (1/ 37 - 38)
(2) تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1/ 64)