وأما النوع الآخر من الذنوب هى الذنوب غير المُكفِّرَة والتي لا تقدح في أصول الايمان ولا يصر عليها صاحبها فهو على قدرٍ من الايمان بقدر فعله لأمر الله وقدر تركه لما نهى الله عنه .. وهذا إيمانه يزيد وينقص؛ فإن لقى الله بكبيرة لم يتب منها فهو في ذمة الله ومشيئته إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، فإن مات على التوحيد مع ذنوبه وإن كثرت ولم تفك عقد الإيمان؛ فقد صحت الأحاديث في إخراجه من النار إن دخلها لتنقيته من الذنوب ودخوله الجنة .. وفي هذا يكون الجمع بين الأدلة والآيات والآثار؛ وهو منهج أهل الوسطية في الدين والحق من سلف المؤمنين.
وههنا يكون أهل السنة وسط بين (المرجئة) الذين يجعلون الايمان مجرد التصديق لا ينقصه ذنب وإن عظم، ولا تضر معه الكبائر مادام القلب مسلما (كما يزعمون) فلا زيادة فيه ولا نقصان .. ولازم هذا أن يكون إيمان أشد الناس فسقًا كإيمان أبي بكر الصديق وعمر رضى الله عنهما وهذا لا يسيغه عاقل ..
ويكون اعتقاد أهل السنة أيضًا غير المتنطعين من الخوارج والمعتزلة الذين يجعلون الإيمان هو العمل، ففاعل الكبيرة عندهم ليس بمؤمنٍ (على الإطلاق) وهو مخلد في النار إلا أن الخوارج قالوا: هو كافر عليه في الدنيا والآخرة أحكام الكفار، والمعتزلة قالوا: هو فاسق ومنزلةٌ بين المؤمن والكافر في الدنيا .. وهو في الآخرة مخلد في النار.
-وحين النظر إلى العدول عن الكافرين، والتعبير عنهم بالفاسقين ..
فقد كان المتوقع أن يكون الجواب هكذا: «وما يضلّ به إلّا الكافرين» .. ولكن لكلام اللّه حساب غير هذا الحساب، وتقدير فوق هذا التقدير، فجاءت فاصلة الآية هكذا: {وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ} .. والفسق معناه في اللغة: الخروج، يقال: فسق وانفسق الرّطب عن قشره: أي خرج. والكافر فاسق وكذلك المنافق والمشرك، لأنه خرج عن طريق الهدى والإيمان، وركب طريق الضّلال والكفر، خرج عن فطرته التي فطره اللّه عليها، ونقض الميثاق الذي واثقه اللّه عليه [1] .. وارتاب في الحق بعدما عرفه واستنار به ثم داهمته ظلمات نفاقه؛ وكما في سورة المدثر - من قول الله: {وليقولَ الذينَ في قلوبهمْ مَرَضٌ والكافرونَ ماذا أرَاد الله بهذا مثلا. كذلك يُضلّ اللهُ مَن يشاءُ ويهدي من يشاء} .. وإنه من الدقة الراقية في الأداء القرآني هذا الوصف بأنهم فاسقين .. خصوصا في مثل هذا الموضع الذي يتعانق فيه المعنى اللغوي والشرعي للكلمة؛ وقد روعى فيها قصد المنافقين المرتابين في كتاب الله تعالى كما قال أبو جعفر الطبري: وقوله"وأما الذين كفرُوا"، يعني الذين جحدوا آيات الله، وأنكرُوا ما
(1) كما في قوله سبحانه: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا» (172 الأعراف) ..