فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 604

الثاني: أن تكون بمعنى"الذي"الموصولة، لأن معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا الذي هو بعوضةً في الصغر والقِلة فما فوقها .. فحذف صدر الجملة (هو) كما حذف في قوله تعالى: {تَمَامًا عَلَى الذي أَحْسَنَ} [الأنعام: 154] (أى تماما على الذي هو أحسن) ... [1]

الثالث: ذكره الزمخشري في تفسيره الكشاف: أن تكون {ما} هذه إبهامية = للإبهام؛ وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهامًا وزادته عمومًا في المعنى، كقولك: أعطني كتابًا مّا، تريد: أعطني أيّ كتاب كان.

الرابع: فأن تجعل المعنى على: إن الله لا يستحيى أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها .. قال الطبري: ثم حذف ذكر"بين"و"إلى"، إذ كان في نصب البعوضة ودخول الفاء في"ما"الثانية، دلالة عليهما، كما قالت العرب:"له عشرون ما ناقةً فجملا". وكذلك يقولون في كل ما فيه حسنٌ وبلاغة من الكلام [2] .

الخامس: قاله الزمخشري من باب تتبع فقه لغة العرب يقول: ووجه آخر حسن جميل، وهو أن تكون (ما) التي فيها معنى الاستفهام، لما استنكفوا من تمثيل الله لأصنامهم بالمحقرات قال: إنّ الله لا يستحيي أن يضرب للأنداد ما شاء من الأشياء المحقّرة مثلًا، بله البعوضة فما فوقها، كما يقال فلان لا يبالي بما وهب ما دينار وديناران .. (كأنه قيل: وما يضير دينار وديناران) والمعنى: أن لله أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شيء أصغر منه وأقل.

وهكذا نعلم ما في {ما} هذه من البلاغة والدقة في التعبير ما لا يدركه إلا من عرف لغة العرب وبلاغتها وعظمة القرآن وحفظه لأصول اللغة وفصاحتها وبيانها .. اللهم زدنا فهما في كلامك وتدبرا لكتابك.

وقد ذكر الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى في تفسيره من فوائد هذه الآية:

(1) : إثبات الحياء لله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما) . ووجه الدلالة: أن نفي الاستحياء عن الله في هذه الحال دليل على ثبوته فيما يقابلها؛ وقد جاء ذلك صريحًا في السنة، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن ربكم حييّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفرًا"؛ والحياء الثابت لله ليس كحياء المخلوق؛ لأن حياء المخلوق انكسار لما يَدْهَمُ الإنسان ويعجز عن مقاومته؛ فتجده ينكسر، ولا يتكلم، أو لا يفعل الشيء الذي يُستحيا منه؛ وهو صفة ضعف ونقص إذا حصل في غير محله ...

(1) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (1/ 404) و تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 113)

(2) معاني القرآن للفراء (1/ 22)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت