فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 604

اللغويّين القُدامى والمحدثين حروف المعاني عناية بالغة، ولا عجب، فهذه الكلمات الصغيرة في مَبْناها، عُدة المتكلم و"أدواته"في تأليف الكلام. وهي لرَصْف المعاني كالمِلاط (الأسمنت وغيره الذي يوضع بين الأحجار) لرصْف المباني، بها تأتلف أجزاؤه، وتتوثَّق تراكيبه. وحروف المعاني قليلة العدد، ولكنّها واسعة التكرار والانتشار بين أجزاء الكلام، فلا يُزاحم هذه المخلوقات الصغيرة الدقيقة مُزاحم من أقسام الكلام، وقد ترتَّب على قلتها عددًا، وأهميتها عُدَّةً أن تداخلت معاني كثير منها، وتعاورت على المعنى الواحد، مع فروق قد تتَّضح فلا تَلْتَبس، وقد تَدِق حتى لتخفى أو تكاد.

يقول الإمام الرازي:"لما كان المرجع في معرفة شرعنا إلى القرآن والأخبار -وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم- كان العلم بشرعنا موقوفًا على العلم بهذه الأمور، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به -وكان مقدورًا للمكلف- فهو واجب".

وغير خاف، أثر اللغة العربية -بنحوها وبلاغتها- في فهم القرآن الكريم، بل قد جعل العلماء المعرفة بلسان العرب من أهم الشروط المطلوبة لمن أراد أن يفسر القرآن، ويستنبط منه الأحكام والتشريعات.

وكان اختلاف العلماء في بعض المسائل النحوية مفض إلى اختلافهم في بعض المسائل الفقهية. وأكثر ما يبدو ذلك في اختلافهم في تحديد المراد بـ (حروف الجر) . ونوضح ذلك من خلال ثلاث آيات كريمة:

الآية الأولى: قوله سبحانه في تقرير صفة الوضوء: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} (المائدة:6) ، فقد اختلفت أنظار الفقهاء هنا -وتبعهم المفسرون- في دخول المرافق في الغَسل أو عدم دخولها، وهم في ذلك على رأيين:

الأول: وهو رأي الجمهور، الذين يرون وجوب إدخالهما في الغَسل؛ لأنهم يرجحون دخول ما بعد (إلى) في حكم ما قبلها إذا كان من جنسه، والمرفق من جنس اليد، والكعب من جنس الرِّجل.

ومن أدلة الجمهور أيضًا، أن (إلى) قد تكون هنا بمعنى (مع) ، وقد جاءت كذلك في قوله تعالى: {قال من أنصاري إلى الله} (آل عمران:52) ، أي: مع الله. وقوله سبحانه: {ويزدكم قوة إلى قوتكم} (:52) ، أي: مع قوتكم.

الثاني: رأي متأخري المالكية، الذين يرون أن المرفق والكعب غير داخلين في وجوب الغَسل؛ لأنهم يرجحون أن ما بعد (إلى) غير داخل في حكم ما قبلها. وقد يُستدل لرأيهم بقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} (البقرة:187) ، فـ {الليل} غير داخل بالصيام قطعًا.

الآية الثانية: قوله تعالى في تقرير صفة الوضوء أيضًا: {وامسحوا برءوسكم} (المائدة:6) . اختلف الفقهاء -وتبعهم المفسرون- في المقدار المطلوب مسحه من الرأس، ومرجع الخلاف إلى اختلافهم في معنى (الباء) الواردة في قوله سبحانه: {برءوسكم} ؛ إذ إن الباء، قد تأتي بمعنى (الإلصاق) ، وقد تأتي بمعنى (التبعيض) ، وقد تأتي لمعان أُخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت