وحاصل اختلافهم هنا على أقوال ثلاثة:
أولها: أن (الباء) زائدة؛ والتقدير: (امسحوا رؤوسكم) . والمفروض بحسب هذا القول مسح الرأس كله. وإلى هذا ذهب المالكية، وهو الراجح فيما روي عن الإمام أحمد.
ثانيها: أن (الباء) للإلصاق، أي: امسحوا ملصقين أيديكم برؤوسكم، والمفروض بحسب هذا القول مسح الرأس كله؛ لأن الإلصاق يقتضي ذلك. وهذا القول رجحه ابن تيمية، وقد قال في هذا الصدد:"لو قال: فامسحوا رؤوسكم، أو وجوهكم، لم تدل على ما يلتصق بالمسح، فإنك تقول: مسحت رأس فلان، وإن لم يكن بيدك بَلَل، فإذا قيل: فامسحوا برؤوسكم وبوجوهكم، ضُمِّن المسح معنى الإلصاق، فأفاد أنكم تلصقون برؤوسكم وبوجوهكم شيئًا بهذا المسح".
وأنت ترى أنه لا خلاف بين هذين القولين من حيث فرضية مسح الرأس في الوضوء، وإنما الخلاف في تحديد معنى (الباء) في الآية.
ثالثها: أن (الباء) للتبعيض، وهي بمعنى (من) ، كقوله تعالى: {عينا يشرب بها المقربون} (المطففين:28) ، أي: منها. وبحسب هذا القول، يكون المفروض مسح بعض الرأس، وهذا قول الحنفية والشافعية، بل قال الشافعي: يجزئ مسح شعرة واحدة.
الآية الثالثة: قوله عز وجل في تقرير فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} (آل عمران:104) . اختلاف العلماء في معنى (من) في قوله سبحانه: {منكم} على قولين:
أولاهما: أن (من) في الآية للتبعيض، والمعنى: ليكن منكم فئة قائمة على الأمر بالمعروف والنهي على المنكر. وبحسب هذا المعنى، يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين. ويُستدل لهذا القول بقوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم} (التوبة:122) . وقد رجح القرطبي هذا القول في معنى (من) في هذه الآية.
ثانيهما: أن (من) في الآية لبيان الجنس، والمعنى: كونوا أمة آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، ويؤيد هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم.
ومما ينبغي الاهتمام به في هذا السياق أمرين:
الأول: أن حروف الجر -وتسمى حروف المعاني- ينوب بعضها عن بعض، فحرف الجر (في) في قوله سبحانه: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} (طه:71) ، هو بمعنى (على) ، أي: على جذوع النحل. وهذا كثير في القرآن لمن تتبعه، وللعلماء فيه مذاهب.