فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 604

الثاني: أن حروف الجر تحمل أكثر من معنى، وقد يرجح بعض العلماء معنى على معنى، لدليل يظهر له، ومن ثم تختلف أنظارهم في بناء الأحكام بناء على اختلافهم في تحديد المراد من هذا الحرف أو ذاك.

وهكذا كثير من الحروف الوظيفية من أمثال (الباء واللام والكاف وألا وإن وأن و .... غيرها) مما هو مذكور في كتب الأصول (أصول الفقه) لأهميته في استنباط الفقه .. وهو كذلك هام جدا في فهم القرآن العظيم وتفسيره وتدبر معانيه؛ فتنبه .... وهنا أيضًا دقة نظر الفقهاء وسماحة الدين في اختلافهم المبني على استنباطٍ سليمٍ ومعرفة بالسنة واللغة وغيرها من العلوم اللازمة للمجتهد في الدين .. وإنما ذكرنا هذا في معرض بيان الواجب على مَن يريد تدبر هذا القرآن العظيم وأنه يلزمه معرفة اللغة العربية التي قال فيها رب العزة: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ..

ثم نعود إلى (إذ) في هذه الآية الكريمة:

يقول القرطبي:"إِذْ"وَ"إِذَا"حَرْفَا تَوْقِيتٍ (لبيان زمان الفعل) ، فَإِذْ لِلْمَاضِي، وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَقَدْ تُوضَعُ إِحْدَاهُمَا مَوْضِعَ الْأُخْرَى. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: إِذَا جَاءَ حرف"إِذْ"مَعَ مُسْتَقْبَلٍ (فعل مضارع) كَانَ مَعْنَاهُ مَاضِيًا، نَحْوَ قَوْلِهِ:"وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ" (الأنفال: 30) "وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ" (الأحزاب: 37) معناه إذ مَكَرُوا، وَإِذْ قُلْتَ. وَإِذَا جَاءَ"إِذَا"مَعَ الْمَاضِي كَانَ مَعْنَاهُ مُسْتَقْبَلًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:"فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ" (النازعات: 34) "فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ" (عبس: 33) و"إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ" (النصر: 1) أي يجئ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ:"إِذْ"زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقَالَ رَبُّكُ، وَأَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ الزَّجَّاجُ وَالنَّحَّاسُ وَجَمِيعُ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ"إِذْ"اسْمٌ وَهِيَ ظَرْفُ زَمَانٍ لَيْسَ مِمَّا تُزَادُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا اجْتِرَامٌ (أو اجتراء) مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَلْقَ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ، فَالتَّقْدِيرُ وَابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ إِذْ قَالَ، فَكَانَ هَذَا مِنَ الْمَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، كَمَا قَالَ: فَإِنَّ الْمَنِيَّةَ مَنْ يَخْشَهَا ... فَسَوْفَ تُصَادِفُهُ أَيْنَمَا

يُرِيدُ أَيْنَمَا ذَهَبَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ وَاذْكُرْ إِذْ قَالَ. وَقِيلَ: هُوَ مَرْدُودٌ إِلَى قوله تعالى:"اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ" [البقرة: 21] فَالْمَعْنَى الَّذِي خَلَقَكُمْ إِذْ قَالَ رَبُّكُ لِلْمَلَائِكَةِ. انتهى [1]

(1) تفسير القرطبي (1/ 261)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت