فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 604

المذكورة في معنى الخلافة في قوله تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة) (البقرة: 30) ، ولم يكد يخلو من ذكره كتاب من كتب التفسير في القديم أو الحديث. وأكتفي هنا بمقالين من كتب التفسير القديم:

الأول: ما ذكره ابن الجوزي في تفسيره: فقد ذكر في معنى خلافة بني آدم قولين أحدهما: أنه: خليفة عن الله تعالى في إقامة شرعه، ودلائل توحيده، والحكم في خلقه، وهذا قول ابن مسعود.

والثاني: ما قاله الفخر الرازي: القول الثاني: إنما سماه الله خليفة؛ لأنه يخلف الله في الحكم بين المكلفين من خلقه، وهو المروي عن ابن مسعود وابن عباس والسدي، وهذا الرأي متأكد بقوله: (إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق) (ص: 26) . ا هـ.

وإذا كانت الآيات الكريمة تتحدث عن قصة آدم فإن السياق يدل على أن المرشح للخلافة هو وذريته من بعده، بدليل قول الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) (البقرة: 30) . فإنهم لا يقصدون بقولهم هذا آدم عليه السلام، بل يقصدون به هذا النوع الجديد من الخليقة بوجه عام بما عرفوا من طبيعة تكوينه، أو بقياسه على من سبقه من سكان الأرض، أو بإعلام من الله لهم- على اختلاف الأقوال والاحتمالات في الموضوع.

ولست أريد هنا أن أرجح أحد القولين أو الأقوال في معنى"الخليفة"في الآية الكريمة وإن كان سياق القصة، من إعلان الله لملائكته، مقدم هذا المخلوق الجديد قبل وجوده، وتعاليمه الأسماء كلها، وإظهار تفوقه على الملائكة في اختبار علني، وأمر الملائكة بالسجود لهذا الكائن الفريد، وجعل هذا السجود مرتبًا على قوله: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي) وطرد إبليس من رحمة الله، وتجليله باللعنة إلى يوم الدين، حين أبى أن يستجيب لأمر الله بسجود التحية والتكريم لهذا المخلوق - كل هذا قد يجعل النفس أميل إلى أن الإخبار الإلهي للملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة لا يدل على أنه مجرد مخلوق يخلف من كان قبله من سكان الأرض، بل نختار ما قاله السيد صديق حسن خان في تفسيره"فتح البيان"بعد أن ذكر الأقوال في المراد بالخلافة والخليفة: (والصحيح أنه إنما سمي خليفة، لأنه خليفة الله في أرضه، لإقامة حدوده وتنفيذ قضاياه) .

ومعروف أن السيد صديق أحد المستمسكين بالسلفية وهو من علماء أهل الحديث المستقلين.

أقول: لست في مقام الترجيح، وحسبي أن هذا الرأي مأثور ومتكرر في مصادر التفسير، ولم يطعن فيه أحد - فيما أعلم - قبل الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، وإن كان ابن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت