القيم أدنى إلى الرفق والاعتدال في القضية من شيخه. فقد عرض للمسألة في كتابه"مفتاح دار السعادة"وهو يشرح الحديث الذي رواه أبو نعيم وغيره عن كميل بن زياد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فضل العلم وأهله وحملته وفيه: (أولئك خلفاء الله في أرضه ودعاته إلى دينه) .
قال: (قوله"أولئك خلفاء الله في أرضه"حجة أحد القولين في أنه يجوز أن يقال: فلان"خليفة الله في أرضه") وساق حجج أصحاب هذا القول من القرآن والحديث، ثم ساق دليل الطائفة التي منعت هذا الإطلاق - وهي التي سنذكرها ونناقشها بعد - ثم قال: (إن أريد بالإضافة إلى الله أنه خليفة عنه، فالصواب قول الطائفة المانعة منها، وإن أريد بالإضافة أن الله استخلفه عن غيره ممن كان قبله، فهذا لا يمتنع فيه الإضافة .. حقيقتها: خليفة الله الذي جعله خلفًا عن غيره. وبهذا يخرج الجواب عن قول أمير المؤمنين"أولئك خلفاء الله في أرضه") ا هـ.
وأنا من أكثر الناس إعجابًا بشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه المحقق ابن القيم، وبالثروة العلمية العظيمة التي خلفاها لهذه الأمة، كما أقدر دوافعهما النبيلة التي جعلتهما ينكران هذه الفكرة"خلافة الله"بعد أن غلا فيها بعض المتصوفة غلوا أفسدها، ولكني أرى أن الأدلة التي اعتمدا عليها في منع القول بخلافة الإنسان لله في الأرض، ليست قاطعة ولا راجحة.
وعمدة أدلتهما هنا أمران:
أحدهما: أن أبا بكر رضي الله عنه حين قالوا له: يا خليفة الله، قال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حسبي ذلك.
الثاني: أن الخليفة من يقوم مقام غيره ... والله تعالى لا يجوز أن يكون أحد خلفا عنه: لأنه لا سمي له ولا كفء، بل هو سبحانه يكون خليفة لغيره. كما في حديث:"اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل".
وبالنظر في الدليل الأول نجده قيل في مقام معين له خصوصية ينفرد بها عن سواه. ذلك هو مقام الإمام الأعظم الذي بويع رئيسًا للدولة بعد رسول الله. مظنة الغلو في مثل هذه الحالة قائمة ومعروفة لدى كثير من الأمم، التي ورث المسلمون ملكهم، وأقربهم الفرس: الذين يضفون على ملوكهم ورؤسائهم نوعًا من التقديس والتأليه، وأبو بكر رضي الله عنه - مع أنه رئيس دولة - صاحب عقيدة يريد لها أن تسود وأن تظل سليمة من التشويه والتحريف، وتخصيصه وحده - دون المسلمين جميعًا - بأنه خليفة الله، يخشى منه أن يكون غلوا في التعظيم الذي ينفرد به الحكام عادة. لهذا رفضه رضي الله عنه، واكتفى بأنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم