ولهذا قال:"حسبي ذلك"فهذا التعقيب منه يدل على ما ذكرناه. وقد ورد أن أحد الشعراء خاطب أبا بكر بقوله:
أخليفة الرحمن إنا معشر حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
عرب نرى لله في أموالنا حق الزكاة منزلًا تنزيلا
وسواء بلغ هذا الشعر أبا بكر أم لم يبلغه، فقد قيل في عصر أبي بكر، ولم ينقل ألينا أن أحدًا من الصحابة أنكره.
وبذلك يبين لنا أن عبارة أبي بكر ليست نصًا في إنكار خلافة الله العامة لكل البشر، لأنها سيقت في مناسبة خاصة لغرض خاص.
ونظير هذا ما روي عن أبي ذر أنه أنكر على معاوية أن يسمى مال الخزانة الإسلامية"مال الله"وأصر على أن يسميه"مال المسلمين"مع أن إضافة المال إلى الله تعالى واردة في القرآن الكريم: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) (النور: 33) ، ولكنه هنا خشي أن تهون كلمته"مال الله"من حق أفراد الجماعة في المال، فتمتد إليه يد ولي الأمر في غير مصلحة المسلمين أصحاب المال الحقيقيين.
والذي يعنينا هنا أن العبارة، قد تكون جائزة في نفسها، ولكن يأتي اعتبار معقول، يمنع استعمالها في مقام معين.
وبالنظر إلى الدليل الثاني: لا نسلم أن الخلافة عن الله تستلزم أن يكون الإنسان سميًا لله وكفوًا، تعالى الله عن ذلك. فإن الخليفة هو الوكيل والنائب، ولله تعالين يوكل من يشاء من خلقه فيما شاء من أمره. كما وكل ملائكته في بعض شئون خلقه، وكما أناب الإنسان في تنمية المال وإنفاقه، على ما يرضي الله سبحانه مالك المال وصاحبه الحقيقي، قال تعالى: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) (الحديد: 7) .
قال الزمخشري في تفسير الآية: يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما مولكم إياها وخولكم الاستمتاع بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب أ هـ.
وقد شاع بين جمهور المسلمين حديث قدسي يقول:"المال مالي والفقراء عيالي والأغنياء وكلائي، فإذا بخل وكلائي على عيالي أذقتهم وبالي ولا أبالي"وليس لهذا الحديث سند يعرف، ولكن معناه لا غبار عليه، وتلقيه بالقبول يدل على أن فكرة الاستخلاف في مال الله عميقة الجذور في عقلية المسلمين.