وقد أصبحت هذه الفكرة أساسًا لما عليه المفكرون الإسلاميون في هذا العصر، لتوضيح معالم نظرية الإسلام الاقتصادية.
وابن القيم نفسه بعد أن رجح عدم الجواز بأن يقال: (إن أحدًا وكيل الله؛ لأن الوكيل من يتصرف عن موكله بطريق النيابة، والله عز وجل لا نائب له .. ) عاد فقال: (على أنه لا يمتنع أن يطلق ذلك باعتبار أنه مأمور بحفظ ما وكله فيه ورعايته والقيام به) (مدارج السالكين 2/ 126، 127، ط. السنة المحمدية بالقاهرة) .
والخلاصة:
إن القول بالخلافة لله في حد ذاته ليس خطأ ولا خطرًا ولا يؤدي إلى كل هذا الانزعاج، وإن في استطاعتنا أن ننتفع بهذه الفكرة، ونجردها من تحريف الغلاة من الصوفية، ونبرز بها نظرة الإسلام إلى الإنسان، وموضعه الرفيع في هذا الكون، في مقابل النظرات المادية الحديثة التي هبطت به إلى أسفل سافلين، وجعلته من أحفاد القردة، وأقارب الخنازير.
إن الخلافة عن الله توحي بأمور أربعة ليس منها ولا في واحد منها ضرر ولا خطر على الإنسان، بل فيها الخير الكثير لمن تدبرها:
أولها: أن الإنسان ليس مطلق التصرف في هذا الكون يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يسأل عما يفعل، ولا يحاسب على ما يحكم، إنما هو مخلوق مستخلف من خالق الكون وخالقه، موكل بأن يعمره ويتصرف فيه وفق أمر موكله وإرشاد مستخلفه.
ثانيها: أن الله قد أعطاه شرفًا عظيمًا بهذه المنزلة التي خصه بها دون سائر المخلوقات العلوية والسفلية. شرفًا غبطته عليه الملائكة المقربون وعبر عنه الإمام الرازي بقوله: إن الله جعل آدم خليفة له ... ومعلوم أن أعلى الناس منصبًا عند الملك من كان قائمًا مقامه في الولاية والتصرف وكان خليفة له ... وهذا متأكد بقوله تعالى: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض ... ) (لقمان: 20) ، ثم أكد هذا التعميم بقوله: (خلق لكم ما في الأرض جميعا) (البقرة: 29) ، فبلغ آدم في منصب الخلافة إلى أعلى الدرجات، فالدنيا خلقت متعة لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، وصارت الشياطين ملعونين بسبب التكبر عليه، والجن رعيته، والملائكة في طاعته وسجوده والتواضع له، ثم صار بعضهم حافظين له ولذريته، وبعضهم منزلين لرزقه، وبعضهم مستغفرين له.