ثالثها: أن هذا الإنسان المستخلف لا بد أن يكون قد أعطي من الطاقات والمواهب وهيئ له من الأسباب والمعينات والآلات ما يمكنه من القيام بحق هذه الخلافة، وإلا كان استخلافه في هذه الأرض عبثًا يتنزه عنه الإله العليم الحكيم.
ولعلنا نلمح من هذه المواهب موهبة العلم والمعرفة التي برزت في تعلم آدم للأسماء كلها بتعليم الله عز وجل.
كما نجد الوسائل المعينة على مهمة الخلافة في مثل قوله تعالى في الآية السابقة لقصة استخلاف آدم: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا) (البقرة: 29) ، أو في آيات أخرى مثل (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه) . (الجاثية: 13) .
رابعها: أن الإنسان الذي لا يقوم بحق هذه الخلافة ولا يرعى أمانتها، لا يستحق أن يحظى بشرف اسمها، وحمل عنوانها، ووجب أن يسحب منه لقب"خليفة الله"فخلفاء الله هم المؤمنون الصادقون المذكورون في قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) (الأنبياء: 105) .
وأخيرًا فإن في ديار العرب والمسلمين اليوم من المذاهب المنحرفة، والأفكار الهدامة، والعقائد المستوردة، والفرق الباطنية المناوئة للإسلام وأمته - ما هو أولى بأن توجه إلى مقاومته جهود العلماء والكتاب والمفكرين من الغيورين على عقيدة الإسلام، وشريعة الإسلام، وأمة الإسلام. انتهى ما أجاب به العلامة القرضاوي وهو رد واعٍ ووافٍ وتحقيق فريد في بابه ..
ويقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (30) } .. قال: وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليقة، ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والإمامة تنال بالنص كما يقوله طائفة من أهل السنّة في أبي بكر. أو بالإيماء إليه كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده كما فعل الصدّيق بعمر بن الخطاب، أو بتركه مشورة في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته أو بمبايعة واحد منهم له، فيجب التزامها عند الجمهور، وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع، واللّه أعلم.
ويجب أن يكون ذكرًا، حرًا، بالغًا، عاقلًا، مسلمًا، عدلًا، مجتهدًا، بصيرًا، سليم الأعضاء، خبيرًا بالحروب والأراء، قرشيًا على الصحيح؛ ولا يشترط الهاشمي ولا المعصوم من الخطأ خلافًا للغلاة والروافض. ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله عليه الصلاة