• ويقول العلامة البقاعي يبين المنهجية الشاملة لفهم الوحدة العضوية والتماسك الموضوعي داخل سور القرآن:
الأمر الكلي المفيد لمعرفة مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سبقت له السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من الأحكام واللوازم التابعة له .. فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن، وإذا فعلته تبيَّن لك إن شاء الله وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة، وبين السور .. وقد ظهر لي باستعمالي لهذه القاعدة بعد وصولي إلى سورة سبأ في السنة العاشرة من ابتدائي في عمل هذا الكتاب أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها لأن اسم كل شيء تظهر المناسبة بينه وبين مسماه .. ) انتهى. [1]
وأما العلامة السيوطي فيفصل في منهجية شبه دقيقة مفهوم الوحدة العضوية في القرآن فيقول رحمه الله ما ملخصه:
[الْمُنَاسِبَةُ فِي اللُّغَةِ: الْمُشَاكَلَةُ وَالْمُقَارَبَةُ؛ وَمَرْجِعُهَا فِي الْآيَاتِ وَنَحْوِهَا من الجُمل والمقاطع والسور إِلَى مَعْنًى رَابِطٍ بَيْنَهَا عَامٍّ أَوْ خَاصٍّ .. سواء كان عَقْلِيٍّ أَوْ حِسِّيٍّ أَوْ خَيَالِيٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَلَاقَاتِ أَوِ التَّلَازُمِ الذِّهْنِيِّ؛ كَالسَّبَبِ وَالْمُسَبِّبِ وَالْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ وَالنَّظِيرَيْنِ وَالضِّدَّيْنِ وَنَحْوِهِ ..
وَفَائِدَتُهُ: جَعْلُ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ بَعْضِهَا آخِذًا بِأَعْنَاقِ بَعْضٍ؛ فَيَقْوَى بِذَلِكَ الِارْتِبَاطُ، وَيَصِيرُ التَّأْلِيفُ حَالُهُ حَالُ الْبِنَاءِ الْمُحْكَمِ الْمُتَلَائِمِ الْأَجْزَاءِ ..
فَنَقُولُ: ذِكْرُ الْآيَةِ بَعْدَ الْأُخْرَى إِمَّا أَنْ يَكُونَ ظَاهِرَ الِارْتِبَاطِ لِتَعَلُّقِ الْكَلِمِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَعَدَمِ تَمَامِهِ بِالآية أو الجملة الأُولَى فَذلك وَاضِحٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الآية أو الجملة الثَّانِيَةُ لِلْأُولَى عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ أَوِ التَّفْسِيرِ أَوِ الِاعْتِرَاضِ أَوِ الْبَدَلِ ... وغيره، وَهَذَا الْقِسْمُ لَا كلام فيه [2] ..
(1) في كتابه الرائع نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (1/ 18) بتصرف يسير، ط. دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.
(2) [قلتُ (الباحث) : خذ مثلا .. وثاقة الصلة بين الآية و الآية في سورة البقرة:
فإذا امعنا النظر في الآيات وقفنا على الأمور الآتية:
1 -قد تكون الآية التالية صفة لكلمة في الآية الأولى كقوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)
فنلاحظ هنا حسن التخلص الرائع في الانتقال من المثل القرآني لوصف حال هؤلاء الفاسقين الذين لا يؤمنون بآيات الله الباهرة وأمثاله الرائعة ..
2 -و قد تكون الآية الثانية توكيدا لفكرة في اللآية الأولى كقوله تعالى:
"قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) ".. فنرى الآيات تنتقل من خطاب اليهود الذين يظنون أن لهم حقًا على الله أن يدخلهم الجنة .. يقول لهم: تمنوا الموت ولقاء الله إن كنتم صادقين، ثم ينتقل الخطاب ليعلق على ذلك الذي ادعوه بأنهم؛ ولسوء فعالهم لن يتمنوا لقاء الله أبدًا، فهم أحرص الناس على الحياة المادية الفانية؛ لأنهم يعلمون من قرارة أنفسهم أنهم في الآخرة هم الأخسرون، فهم يتمنون أكبر قدر من عيشهم الفاسد ولا يرد ذلك النار في الآخرة عنهم .. فأى عظمة يجدها المتدبر لكلام الله وهو يذوب بين أمواجه تسلمه موجة لأخرى بكل سلاسةٍ وجمال ...
3 -وقد تكون الآية الثانية ردا على ما في الآية الأولى كقوله تعالى:
"وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) ".. فتأمل رحمك الله - تطالعك عظمة التناسق والتفاعل البلاغي الجليل بين حكاية الاعتقاد الفاسد لليهود، وتفنيده الرباني الحكيم .. وتقرير الحقيقة الالهية الكبرى في أبلغ أسلوب من التصوير أن الذين أكثروا من الكفر والذنوب حتى أحاطتهم كالموج يحيط بالغريق حتى يغرقه في النار بما كسبت يداه ...
4 -و قد تحمل الآية الثانية فكرة مضادة لفكرة سبقتها كقوله تعالى:
"فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) ".. هذا الاتزان بين البشارة والنذارة .. بين الترهيب والترغيب .. يجلي الحقيقة الالهية العظيمة التي فيها يُعاقب الكافرون ويُثاب المؤمنون ..
5 -وقد تكون الآية الثانية تعليلا لحكم ورد في الآية الولى كقوله تعالى:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) ".. فقد أردف الحكم الرباني العظيم في القصاص .. بما يبين الحكمة الجليلة منه أنه أى حكم الله أنه عند العقلاء الحكماء حياةٌ ونجاةٌ وصلاح ..
6 -وقد تكون الآية الثانية تحبيبا أو تبغيضا لفكرة وردت في الآية الأولى كقوله تعالى:
"الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) ".. ولا يخفى ما في الآيات من تسلسل واتصال لطيف جميل يصف حال المستجيبين لنور السماء ويردفه بحال الهالكين في ظلمات الكفر والهوى.
7 -وقد تكون الآية الثانية دليلا على صحة ما ورد في الآية الأولى وشاهدا داعما لها كقوله تعالى:
"وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) ".. فنحن نرى أن الله قرر الحقيقة العليا في ثبوت إلهيته له وحده لا لسواه .. ثم أردف ذلكم التقرير للحقيقة السماوية العظمى بالاستدلال الواقعي العملي على ذلك بما لا يدع مجالا للشك أو التفنيد.
و من كل هذا يتبين لنا أن الصلة وثيقة بين الآية و الآية ولكن إدراك هذه الصلة يتطلب تريثا و تدبرا .. وقراءةً واعية متأملة في كلام الله العظيم .. وإلا فالكثير منا محجوب عن نور آيات الله بقذر نفسه ودرن ذنوبه .. قال تَعَالَى:"سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض بغير الحق".. قيل في التفسير: سأرفع فهم القرآن عن قلوبهم، وفي بعض التفاسير؛ وقال ابن جريج سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها .. يقول ابن كثير في تفسيره: يقول تعالى آمرا بتدبر القرآن وتفهمه، وناهيا عن الإعراض عنه، فقال:"أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" (سورة محمد 24) أي: بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه. ا. ه. وكما قال عثمان رضي الله عنه: (لو طهرت نفوسنا ما شبعت من كلام الله) ..