(2) وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الآيات مَعْطُوفَةً فَلَا بُدَّ مِنْ دِعَامَةٍ تُؤْذِنُ بِاتِّصَالِ الْكَلَامِ، وَهِيَ قَرَائِنُ مَعْنَوِيَّةٌ تُوحِي بِالرَّبْطِ بينها وَلهذا الربط أَسْبَابٌ:
أَحَدُهَا: إِلْحَاقُ النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ كَقَوْلِهِ: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} عَقِبَ قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} فَإِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ أَنْ يَمْضِيَ لِأَمْرِهِ فِي الْغَنَائِمِ عَلَى كُرْهٍ مِنْ أَصْحَابِهِ كَمَا مَضَى لِأَمْرِهِ فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ لِطَلَبِ الْعِيرِ أَوْ لِلْقِتَالِ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ؛ وَالْقَصْدُ أَنَّ كَرَاهَتَهُمْ لِمَا فَعَلَهُ مِنْ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ كَكَرَاهَتِهِمْ لِلْخُرُوجِ؛ وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي الْخُرُوجِ الْخَيْرُ مِنَ الظَّفَرِ وَالنَّصْرِ وَالْغَنِيمَةِ وَعَزِّ الْإِسْلَامِ؛ فَكَذَا يَكُونُ فِيمَا فَعَلَهُ عليه الصلاة والسلام فِي الْقِسْمَةِ؛ فَلْيُطِيعُوا مَا أُمِرُوا بِهِ وَيَتْرُكُوا هَوَى أَنْفُسِهِمْ.
الثَّانِي: الْمُضَادَّةُ والمقابلة كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} الْآيَةَ .. فَإِنَّ أَوَّلَ السُّورَةِ كَانَ حَدِيثًا عَنِ الْقُرْآنِ وَأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ الْهِدَايَةَ لِلْمتقين .. فَلَمَّا أَكْمَلَ وَصْفَ الْمُؤْمِنِينَ عَقَّبَ بعده بِحَدِيثٍ عن الْكَافِرِينَ .. فَبَيْنَ الحديثين جَامِعٌ بِالتَّضَادِّ ومقابلة حال بحال، وَحِكْمَتُهُ التَّشْوِيقُ وَالثُّبُوتُ عَلَى حال المهتدين كَمَا قِيلَ:"وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ".. وَلِهَذَا لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} فَرَجَعَ إِلَى الحديث عن القرآن.
الثَّالِثُ: الِاسْتِطْرَادُ .. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} ..
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذِهِ الْآيَةُ وَارِدَةٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ عَقِبَ ذِكْرِ ظهور السَّوْآتِ وَخَصْفِ الْوَرَقِ عَلَيْهِمَا - (أى حين عصى آدم وحواء وبدت سوءاتهما) - وردت الآية إظهارًا للمنة فيما خَلَقَ مِنَ اللِّبَاسِ، وَلِمَا فِي الْعُرْيِ وَكَشْفِ الْعَوْرَةِ مِنَ الْمَهَانَةِ وَالْفَضِيحَةِ، وَإِشْعَارًا بِأَنَّ السَّتْرَ بَابٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ التَّقْوَى ..
وَقَدْ خَرَّجْتُ (أى السيوطي) عَلَى الِاسْتِطْرَادِ أيضًا قَوْلَهُ تَعَالَى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} .. فَإِنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ ذُكِرَ لِلرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى الزاعمين نبوة الْمَسِيحِ؛ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ لِلرَّدِّ عَلَى الْعَرَبِ الزَّاعِمِينَ بُنُوَّةَ الْمَلَائِكَةِ ..
الرابع: وَيَقْرُبُ مِنَ الِاسْتِطْرَادِ حَتَّى لَا يَكَادَانِ يَفْتَرِقَانِ (حُسْنُ التَّخَلُّصِ) ؛ وَهُوَ أَنْ يَنْتَقِلَ مِمَّا ابْتُدِئَ بِهِ الْكَلَامُ إِلَى الْمَقْصُودِ عَلَى وَجْهٍ سَهْلٍ يَخْتَلِسُهُ اخْتِلَاسًا دَقِيقَ الْمَعْنَى .. بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ السَّامِعُ بِالِانْتِقَالِ مِنَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ إِلَّا وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ المعنى الثَّانِي لِشِدَّةِ الِالْتِئَامِ والترابط بَيْنَهُمَا ..
فَفِي القرآن مِنَ (التَّخَلُّصَاتِ) الْعَجِيبَةِ مَا يُحَيِّرُ الْعُقُولَ.