فهرس الكتاب
الإنساني الراقي في يوسف عليه السلام .. {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) } (يوسف: 23) .. هذه هى الإرادة والقيم وأما الاعتصام بالله ففي قوله عليه السلام: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) } (يوسف: 33) ..
هذه هى المعركة، وهذه هى ضوابط النصر والنجاة والفلاح، فهل من متعظ؟!
قال تعالى: {وقلنا: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا منها رغدا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة، فتكونا من الظالمين} .
قال القاضي البيضاوي: {وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ} فيه مبالغة تعليق النهي بالقرب الذي هو من مقدمات التناول مبالغة في تحريمه، ووجوب الاجتناب عنه، وتنبيهًا على أن القرب من الشيء يورث داعيةً، وميلًا يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضى العقل والشرع، كما روي «حبك الشيء يعمي ويصم» ، فينبغي أن لا يحوما حول ما حرم الله عليهما مخافة أن يقعا فيه، وجعله سببًا لأن يكونا من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي، أو بنقص حظهما بالإتيان بما يخل بالكرامة والنعيم، فإن الفاء تفيد السببية. ا. ه. [1]
لقد أبيحت لهما كل ثمار الجنة .. إلا شجرة .. شجرة واحدة، ربما كانت ترمز في قصة البشرية للمحظور الذي لا بد منه في حياة الأرض. فبغير المحظور لا تنبت الإرادة، ولا يتميز الإنسان المريد العاقل الذي لا تتملكه شهوته من الحيوان المسوق، ولا يُمتحن صبر الإنسان على الوفاء بالعهد الرباني، والتقيد بالشرط في تكريم الإنسان وخلافته في الأرض. فالإرادة هي مفرق الطريق. والذين يستمتعون بلا إرادةٍ ولا تحكم في شهوانهم هم من عالم البهيمة، ولو بدوا في شكل الآدميين!
وقد قرأت لبعض العلماء: أن الإنسان فيه الشهوة والعقل؛ فإن غلبت شهوته عقله صار إلى الحيوان الأعجم أقرب، وإن غلب عقله هواه وشهوته صار إلى الملائكة أقرب ..
قال ابن كثير: وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} فَهُوَ اخْتِبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَامْتِحَانٌ لِآدَمَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ: مَا هِيَ؟ قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَهَى آدَمَ وَزَوْجَتَهُ عَنْ أَكْلِ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا مِنْ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ، دُونَ
(1) تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1/ 72)