أبى إبليس طاعة ربه وقاس بعقله الفاسد {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) } (الأعراف: 12) .. ذكر البغوي عن ابن عباسٍ قال: أول من قاس إبليس فأخطأ القياس، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس. وكذلك رواها الطبري في التفسير عن الحسن وابن سيرين .. وقال: يعنيان بذلك القياس الخطأ .. وكذلك ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية قال: وأصل الإشراك الذي هو من القياس الفاسد هو إبليس أول من قاس قياسا فاسدا ..
كانت تلك أولى الخطايا وأكبرها: الكبر والحسد ومعرضة امر الله تعالى بالسفسطة والأقيسة العقلية الفاسدة التي تعبد الهوى .. قال ابن كثير رحمه الله: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ:"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ" (رواه مسلم عن ابن مسعود) .. وَقَدْ كَانَ فِي قَلْبِ إِبْلِيسَ مِنَ الْكِبْرِ -وَالْكُفْرِ -وَالْعِنَادِ مَا اقْتَضَى طَرْدَهُ وَإِبْعَادَهُ عَنْ جَنَابِ الرَّحْمَةِ وَحَضْرَةِ الْقُدْسِ. ا. ه.
والآن. لقد انكشف ميدان المعركة الخالدة. المعركة بين خليقة الشر في إبليس، وخليفة الله في الأرض. تلك المعركة الخالدة في ضمير الإنسان ومسرح الحياة على الأرض .. وتبدأ المعركة في السماء، وتستمر على الأرض، فيكون المعنى: أن الرجوع للسماء يكون حين ينتصر الإنسان على الشر ويعصي الشيطان ويطيع منهج ربه سبحانه.
إنها المعركة التي ينتصر فيها الخير بمقدار ما يستعصم الإنسان بربه ويرتقي بإرادته ويقف مع تكريم الله فيه، وينتصر فيها الشر بمقدار ما يستسلم الإنسان لشهوته. ويبعد عن ربه ويترك منهجه ونوره؛ ولعل هذا الدرس يتبين لنا في وضوح من خلال خير البشرية الأنبياء؛ وكيف أنهم حين اعتصموا بالله وحكّموا إرادتهم وقيمهم الراقية استطاعوا أن ينتصروا على الشهوة والشر .. ويكفيك هذا المثل