قال أبو جعفر: وإبليس"إفعِيل"، من الإبلاس، وهو الإياس من الخير والندمُ والحزن، وكما قال الله جل ثناؤه: {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (سورة الأنعام: 44) ، يعني به: أنهم آيسون من الخير، نادمون حزنًا .. عن ابن عباس، قال: إبليس، أبلسه الله من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته. وعن قتادة قال: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسْجَد له ملائكته. [1]
قال الطبري: وهذا، وإن كان من الله جل ثناؤه خبرًا عن إبليس، فإنه تقريعٌ لضُربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقيادِ لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق. ا. ه.
روى الإمام مسلم في صحيحه - بسنده - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد؛ اعتزل الشيطان يبكي؛ يقول: يا ويله(وفي روايةٍ: يا ويلي) ؛ أُمِر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيتُ (وفي روايةٍ: فعصيت) فلي النار) .. [2]
(1) راجع تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (1/ 509 - 512) ، واختلاف العلماء في هل إبليس من جنس الملائكة أم غيرهم وما ارتضيته أثبته في المتن ..
فائدة: في سجود الملائكة جاء في تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 232) : وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كَانَ هَذَا سُجُودُ تَحِيَّةٍ وَسَلَامٍ وَإِكْرَامٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} (يُوسُفَ: 100) ، وَقَدْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَلَكِنَّهُ نُسِخَ فِي مِلَّتِنَا، قَالَ مُعَاذٌ: قَدِمْتُ الشَّامَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ، فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَكَ، فَقَالَ:"لَا لَوْ كُنْتُ آمِرًا بَشَرًا أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا" (رواه أحمد ومسلم) وَرَجَّحَهُ الرَّازِيُّ.
(2) فائدة: قال الإمام النووي في شرحه صحيح مسلم: مقصود مسلم - رحمه الله - بذكر هذين الحديثين هنا أن من الأفعال ما تركه يوجب الكفر إما حقيقة وإما تسمية. فأما كفر إبليس بسبب السجود فمأخوذ من قول الله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} قال الجمهور: معناه وكان في علم الله تعالى من الكافرين، وقال بعضهم: وصار من الكافرين، كقوله تعالى وحال بينهما الموج فكان من المغرقين.
وأما تارك الصلاة فإن كان منكرا لوجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين، خارج من ملة الإسلام إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه، وإن كان تركه تكاسلا مع اعتقاده وجوبها كما هو حال كثير من الناس فقد اختلف العلماء فيه، فذهب مالك والشافعي رحمهما الله والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب فإن تاب وإلا قتلناه حدا كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف. وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر وهو مروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل - رحمه الله -. وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه. وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي رضوان الله عليه. وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي رحمهما الله أنه لا يكفر، ولا يقتل، بل يعزر ويحبس حتى يصلي واحتج من قال بكفره بظاهر الحديث:"إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"، وبالقياس على كلمة التوحيد. واحتج من قال لا يقتل بحديث لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وليس فيه الصلاة. واحتج الجمهور على أنه لا يكفر بقوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وبقوله - صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ومن مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ولا يلقى الله تعالى عبد بهما غير شاك فيحجب عن الجنة. حرم الله على النار من قال لا إله إلا الله وغير ذلك.
واحتجوا على قتله بقوله تعالى: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وقوله - صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم وتأولوا قوله - صلى الله عليه وسلم: بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة على معنى أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر وهي القتل، أو أنه محمول على المستحل، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر، أو أن فعله فعل الكفار. والله أعلم. انتهى من شرح النووي على مسلم: كتاب الإيمان؛ باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة.