فهرس الكتاب
قَالَ فَخْرُ الدِّينِ الرازي في تفسيره الكبير: اعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ تَهْدِيدًا عَظِيمًا عَنْ كُلِّ الْمَعَاصِي: أَنَّ مَنْ تَصَوَّرَ مَا جَرَى عَلَى آدَمَ بِسَبَبِ إِقْدَامِهِ عَلَى هَذِهِ الزَّلَّةِ الصَّغِيرَةِ كَانَ عَلَى وَجَلٍ شَدِيدٍ مِنَ الْمَعَاصِي صغيرها وكبيرها، قَالَ الشَّاعِرُ:
يَا نَاظِرًا يَرْنُو بِعَيْنَيْ رَاقِدٍ وَمُشَاهِدًا لِلْأَمْرِ غَيْرَ مُشَاهِدِ.
تَصِلُ الذُّنُوبَ إِلَى الذُّنُوبِ وَتَرْتَجِي ... دَرَجَ الْجِنَانِ وَنَيْلَ فَوْزِ الْعَابِدِ.
أَنَسِيتَ رَبَّكَ حِينَ أَخْرَجَ آدَمًا مِنْهَا إِلَى الدُّنْيَا بِذَنْبٍ وَاحِدِ.
وقَالَ: عَنْ فَتْحٍ الْمَوْصِلِيِّ يقول: كُنَّا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَسَبَانَا إِبْلِيسُ إِلَى الدُّنْيَا، فَلَيْسَ لَنَا إِلَّا الْهَمُّ وَالْحُزْنُ حَتَّى نُرَدَّ إِلَى الدَّارِ الَّتِي أُخْرِجْنَا مِنْهَا. [1]
وعندئذ حقت كلمة الله، وكتب قضاؤه:
{وقلنا: اهبطوا .. بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} ..
وكان هذا إيذانًا بانطلاق المعركة في مجالها المقدَّر لها. بين الشيطان والإنسان .. على الأرض إلى آخر الزمان.
ونهض آدم من عثرته، بما ركب في فطرته، وأدركته رحمة ربه التي تدركه دائما عندما يثوب إليها ويلوذ بها.
وتمت كلمة الله الأخيرة، وعهده الدائم مع آدم وذريته. عهد الاستخلاف في هذه الأرض، وشرط الفلاح فيها أو البوار .. لقد كان هذا القانون الذي لا يتبدل، والحق الذي لا محيص عنه ..
قال ابن الجوزي:
وفي العداوة المذكورة هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذرية بعضهم أعداء لبعض، قاله مجاهد.
والثاني: أن إبليس عدو لآدم وحواء، وهما له عدو، قاله مقاتل.
والثالث: أن إبليس عدو للمؤمنين، وهم أعداؤه، قاله الزجاج.
وفي المستقر قولان: أحدهما: أن المراد به القبور، حكاه السدي عن ابن عباس.
والثاني: أى موضع الاستقرار، قاله أبو العالية، وابن زيد، والزجاج، وابن قتيبة، وهو أصح.
والمتاع: المنفعة. والحين: الزمان. قال ابن عباس: إِلى حِينٍ، أي: إلى فناء الأجل بالموت. [2]
قال تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم} ..
(1) تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 238)
(2) زاد المسير في علم التفسير (1/ 57)