فهرس الكتاب
قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مُفَسَّرَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الْأَعْرَافِ: 23)
قال ابن كثير: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} أَيْ: إِنَّهُ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ، كَقَوْلِهِ: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} (التَّوْبَةِ: 104) وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} (النِّسَاءِ: 11) ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَيَتُوبُ عَلَى مَنْ يَتُوبُ وَهَذَا مِنْ لُطْفِهِ بِخَلْقِهِ وَرَحْمَتِهِ بِعَبِيدِهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. انتهى
سئل بعض سلف المسلمين عما ينبغي أن يقوله المذنب، فقال: يقول ما قال أبواه: {رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا} . وما قال موسى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} (القصص: 16) . وما قال يونس: {لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} . (الأنبياء: 87) .
والتوبة من الله تعالى الرجوع على عبده بالرحمة والتوفيق، والتوبة من العبد الرجوع عن المعصية والندم على الذنب مع تركه فيما يستأنف وإنما خص الله تعالى آدم بالذكر هنا في التلقي والتوبة، وحواء مشاركة له في ذلك بإجماع لأنه المخاطب في أول القصة بقوله: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فلذلك كملت القصة بذكره وحده، وأيضا فلأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها، ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله تعالى: {وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى} (طه: 121) . [1]
قال الغزالي رحمه الله في الإحياء: ( .. إن التوبة عن الذنوب بالرجوع إلى ستار العيوب وعلام الغيوب مبدأ طريق السالكين، ورأس مال الفائزين، وأول أقدام المريدين، ومفتاح استقامة المائلين، ومطلع الاصطفاء والاجتباء للمقربين، وما أجدر بالأولاد الاقتداء بالآباء والأجداد، فلا غرو إن أذنب الآدمي واجترم؛ جبر بعد ما كسر وعمر بعد أن هدم. ولقد قرع آدم - عليه السلام - سن الندم. وتندم على ما سبق منه وتقدم. فمن اتخذه قدوة في الذنب دون التوبة فقد زلت به القدم.
بل التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقربين. والتجرد للشر دون التلافي سجية الشياطين. والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ضرورة الآدميين. فالمتجرد للخير ملك مقرب عند الملك الديان. والمتجرد للشر شيطان. والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان. فقد ازدوج في طينة الإنسان شائبتان. واصطحب فيه سجيتان. وكل عبد مصحِّحٌ نَسبه إما إلى الملك , أو إلى آدم، أو إلى الشيطان. فالتائب قد أقام البرهان على صحة نسبه إلى آدم؛ بملازمة حد الإنسان. والمصر على الطغيان مسجل على نفسه بنسب الشيطان. فإما تصحيح النسب إلى الملائكة بالتجرد لمحض الخير
(1) تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 131)