فخارج عن حيز الإمكان. فإن الشر معجون مع الخير في طينة آدم عجنا محكما لا يخلصه إلا إحدى النارين نار الندم أو نار جهنم. فالإحراق بالنار ضروري في تخليص جوهر الإنسان من خبائث الشيطان. وإليك الآن اختيار أهون النارين والمبادرة إلى أخف الشرين؛ قبل أن يطوى بساط الاختيار وتساق إلى دار الاضطرار .. إما إلى الجنة وإما إلى النار.) ا. ه.
لقد تاب آدم عليه السلام، وقبل الله تعالى توبته بعد أن وفَّقه لها .. فلله الحمد والمنة في الأولى والآخرة ..
{قلنا: اهبطوا منها جميعًا. فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ..
يقول العلامة البيضاوي:
{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا} .. كرر فعل الهبوط في آيتين للتأكيد، وقيل: لاختلاف المقصود، فإن الهبوط الأول دل على أن هبوطهم إلى دار البلِيّة يتعادون فيها ولا يخلدون، والهبوط الثاني أشعر بأنهم أهبطوا لأجل التكليف والامتحان، فمن اقتفى الهدى نجا، ومن ضله هلك، والتنبيه هنا على أن مخافة الهبوط المقترن بأحد هذين الأمرين (البلية والامتحان) وواحدها كافي للحازم أن تعوقه عن مخالفة حكم الله سبحانه وتعالى، فكيف بكلاهما، ولكن الإنسان {نسي وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} ، وأن كل واحد منهما كفى به نكالًا لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ.
وقيل: الهبوط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، و الهبوط الثاني من السماء إلى الأرض.
وكلمة {جَمِيعًا} حال في اللفظ تأكيد في المعنى كأنه قيل: اهبطوا أنتم أجمعون .. انتهى [1]
قال العلامة السعدي:
كرر الإهباط، ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} أي: أيَّ وقت وزمان جاءكم مني -يا معشر الثقلين- هدى، أي: رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم مني; ويدنيكم من رضائي، {فمن تبع هداي} منكم، بأن آمن برسلي وكتبي، واهتدى بهم، وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب، والامتثال للأمر والاجتناب للنهي، {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} .
وفي الآية الأخرى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} .
فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء:
(1) تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1/ 73)