الكلام موجه إلى بني إسرائيل في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وقد طفق في هذه الآيات يوبخهم على سيرتهم المعوجة في الدين، ويهديهم إلى طريق الخروج منها. ثم إن هداية الخطاب عامة لكل أمةٍ أعطاها الله تعالى
منهجًا فحادت عنه وخاصةً أمة محمد - عليه الصلاة والسلام .. وهذا من قولهم: إِيَّاكِ أَعْنِي واسْمَعِي يا جَارَة.(وكان
الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد صلى اللَّه عليه وسلم ولا يتبعونه. وقيل كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدّقون، وإذا أتوا بصدقات ليفرّقوها خانوا فيها. وعن محمد بن واسع: بلغني أنّ ناسا أهل الجنة على ناس من أهل النار فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة. قالوا كنا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها.) [1] قال ابن عاشور في التنوير (1/ 474) : وهو اعتراض بين قوله تعالى:
وأقيموا الصلاة وقوله: {واستعينوا بالصبر والصلاة} .. ووجه المناسبة في وقوعه هنا أنه لما أمرهم بفعل شعائر الإسلام من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وذيَّل ذلك بقوله سبحانه: {واركعوا مع الراكعين} ليشير إلى صلاتهم التي يفعلونها
أصبحت لا تغني عنهم، ناسب أن يزاد لذلك
أن ما يأمر به دينهم من البر ليسوا قائمين به على ما ينبغي، فجيء بهذا الاعتراض، وللتنبيه على كونه اعتراضا لم يقترن بالواو لئلا يُتوَهَّم أن المقصود الأصلي هو التحريض على، والغرض من هذا هو النداء على كمال خسارهم ومبلغ سوء حالهم الذي صاروا إليه حتى صاروا يقومون بالوعظ والتعليم كما يقوم الصانع بصناعته والتاجر بتجارته لا يقصدون إلا إيفاء وظائفهم الدينية حقها ليستحقوا بذلك ما يُعوَّضون عليه من مراتب ورواتب .. فهم لا
ينظرون إلى حال أنفسهم تجاه الناس. ا. ه. قال الشوكاني في الفتح (1/ 54) : والهمزة في
قوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر ... } للاستفهام مع التوبيخ للمخاطبين، وليس المراد توبيخهم على نفس الأمر بالبر فإنه فعل حسن مندوب، بل بسبب ترك فعل البر المستفاد من قوله: {وتنسون أنفسكم} مع التطهر بتزكية النفس والقيام في مقام دعاة الخلق إلى الحق إيهاما للناس وتلبيسا عليهم: وصفتَ التقى حتى كأنك ذو
تقى ... وريح الخطايا من ثيابك يسطع والبر: الطاعة والعمل الصالح، والبر: سعة الخير والمعروف، والبر: الصدق ... والنسيان (بكسر النون) هو هنا بمعنى الترك: أي وتتركون أنفسكم. والتلاوة: القراءة، وهي المراد هنا وأصلها الاتباع، يقال تلوته: إذا اتبعته، وسمي القارئ تاليا والقراءة تلاوة لأنه يتبع بعض الكلام ببعض على النسق الذي هو عليه.
(1) تفسير الزمخشري عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 133)