فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 604

أَحَدُهَا: أَنَّ الْيَهُودَ لَا رُكُوعَ فِي صَلَاتِهِمْ فَخَصَّ اللَّهُ الرُّكُوعَ بِالذِّكْرِ تَحْرِيضًا لَهُمْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِصَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُرَادَ صَلُّوا مَعَ الْمُصَلِّينَ، وَعَلَى هَذَا يَزُولُ التكرار لأن في الأول أمر تعالى بإقامتها، وَأَمَرَ فِي الثَّانِي بِفِعْلِهَا فِي الْجَمَاعَةِ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَمْرِ بِالرُّكُوعِ هُوَ الْأَمْرَ بِالْخُضُوعِ لِأَنَّ الرُّكُوعَ وَالْخُضُوعَ

فِي اللُّغَةِ سَوَاءٌ فَيَكُونُ نَهْيًا عَنِ الِاسْتِكْبَارِ الْمَذْمُومِ وَأَمْرًا بِالتَّذَلُّلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ} (الْمَائِدَةِ: 55) ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ أَمَرَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالِانْقِيَادِ وَالْخُضُوعِ وَتَرْكِ التَّمَرُّدِ. ا. ه. [1] قلتُ: والقلب أميل إلى المعنى الأخير لموافقته

للمعنى في آية المائدة؛ وهو إعمال لمنهج تفسير القرآن تعالى {واركعوا مع الراكعين} فيه الإرشاد إلى شهود الجماعة والخروج إلى المساجد. وقد ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما ما هو معروف. وقد أوجب حضور الجماعة بعض أهل العلم على خلاف بينهم في كون ذلك عينا أو كفاية، وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة مرغب فيها، وهو الحق للأحاديث الصحيحة الثابتة عن جماعة من الصحابة، من أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة أو بسبع وعشرين درجة. وثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم: الذي يصلي مع الإمام أفضل من الذي يصلي وحده ثم ينام.، كثير النقول. [2] ...

أتأمرون

الناس بالبر وتنسون أنفسكم ... ومع أن هذا النص

القرآني كان يواجه ابتداء

حالة واقعة من بني إسرائيل، فإنه في إيحائه للنفس البشرية، ولرجال الدين بصفة

خاصة دائم لا يخص قومًا دون قوم ولا يعني جيلا دون جيل، فلا تمنع خصوصية الخطاب

القرآني من عموميته، وبهذا يكون لكل من يحسن القول، ولا يحسن العمل، ويندب الناس إلى الخير، ويأمرهم به، ولا ينظر إلى نفسه، ولا

يحملها على أخذ حظها من هذا الخير الذي يدعو إليه .. وفى ذلك ظلم للنفس، وخسران مبين .. يقول تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}

(1) تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (3/ 487) .

(2) قاله العلامة الشوكاني في فتح القدير (1/ 54)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت