يقول صاحب الظلال - رحمه الله: إن الكلمة لتنبعث ميتة، وتصل هامدة، مهما تكن طنانة رنانة متحمسة، إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها. ولن يؤمن إنسان بما يقول حقًا إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول، وتجسيمًا واقعيًا لما ينطق .. عندئذ يؤمن الناس، ويثق الناس، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق .. إنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها .. إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة، لأنها منبثقة من حياة. والمطابقة بين القول والفعل، وبين العقيدة والسلوك، ليست مع هذا أمرًا هينًا، ولا طريقًا معبدًا. إنها في حاجة إلى رياضة وجهد ومحاولة. وإلى صلة بالله، واستمداد
منه، واستعانة بهديه فملابسات الحياة وضروراتها واضطراراتها كثيرًا ما
تنأى بالفرد في واقعه عما يعتقده في ضميره، أو عما يدعو إليه غيره.: إن الدين كلمة تقال. وسلوك يفعل. فإذا انفصلت الكلمة عن السلوك ضاعت الدعوة. فالله سبحانه وتعالى يقول: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} (الصف: 2 - 3)
فما لم ترتضه أنت كسلوك لنفسك. لا يمكن أن تبشر به غيرك. لذلك نقرأ في القرآن الكريم: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ
يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (الأحزاب: 21) . فمنهج الدين وحده لا يكفي .. إلا بالتطبيق. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر أصحابه بأمر إلا كان أسبقهم إليه، فكان المسلمون يأخذون عنه القدوة قولا وعملا، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه. حين يريد أن
يقنن
أمرًا في الإسلام يأتي بأهله
وأقاربه ويقول لهم: لقد بدا لي أن آمر من خالف منكم لأجعلنَّه نكالا للمسلمين. وكان عمر بن الخطاب بهذا يقفل أبواب الفتنة، لأنه يعلم من أين تُأتي .. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت: 33) .. فالشرط الأول هو الدعوة إلى الله. والشرط الثاني العمل الصالح، وقوله {إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} لم ينسب الفضل لنفسه
أو لذاته؛ ولكنه نسب الفضل إلى الإسلام
ا. ه. [1] إن آفة رجال الدين- حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة- أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم
يأمرون بالخير ولا يفعلونه ويدعون إلى البر ويهملونه ويحرفون الكلم عن مواضعه
(1) من خواطر إيمانية حول القرآن الكريم للعلامة الشيخ الشعراوي (تفسير الشعراوي)