اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ
يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (الْمَائِدَةِ: 20) .ا. ه [1] عودة إلى نداء بني إسرائيل، وتذكير هم بنعمة الله عليهم، وتخويفهم ذلك اليوم المخيف إجمالًا قبل الأخذ في
التفصيل ... وتفضيل بني إسرائيل على العالمين موقوت بزمان استخلافهم واختيارهم، فأما بعد ما عتوا عن أمر ربهم، وعصوا أنبياءهم، وجحدوا نعمة الله
عليهم، وتخلوا عن التزاماتهم وعهدهم، فقد أعلن الله حكمه عليهم باللعنة والغضب والذلة والمسكنة، وقضى عليهم بالتشريد وحق عليهم الوعيد. وتذكيرهم بتفضيلهم على العالمين، هو تذكير لهم بما كان لهم من فضل الله وعهده وإطماع لهم لينتهزوا فرصة المتاحة على يدي الدعوة
الإسلامية، فيعودوا إلى موكب
الإيمان. وإلى عهد الله
شكرًا على تفضيله لآبائهم، ورغبة في العودة إلى مقام التكريم الذي يناله المؤمنون. [2] وكما قررننا آنفًا إن الخطاب لبني إسرائيل هو في جوهره خطاب للأمة المحمدية ليأخذوا العبرة والعظة والدروس الواضحة مما جرى لحملة الكتاب قبلهم؛ فلا يكرروا أخطاءهم ولا يسيروا سيرهم ... تشريف وتكليف .. ونعمةٌ وإساءة {يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} قال الآلوسي: كرر التذكير للتأكيد والإيذان بكمال غفلتهم عن القيام بحقوق النعمة، وليربط ما بعده من الوعيد الشديد به لتتم الدعوة بالترغيب والترهيب، فكأنه قال سبحانه: إن لم تطيعوني لأجل سوابق نعمتي، فأطيعوني للخوف من لواحق عقابي. ا. ه. .. ولأن التشريف هنا مقترن بتكليف؛ فمن لم يراع حق التكليف رده الله تعالى على عقبيه ولعنه وغضب عليه بعد أن قابل نعم الله الكبيرة عليه بالإساءة .. وهذا درسٌ آخر من دروس القرآن العامة تفسره مقولة الجنيد -رحمه الله - حين سئل عن الشكر فقال: هو أن لا تعصي الله بنعمه عليك. (فإن قلت: ما الفائدة في قوله: {التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} ولو أسقطت لقيل: اذكروا نعمتي(عليكم) لما اختل المعنى؟ فالجواب: أنه أفاد اختصاص تلك النعمة بهم، وأنهم مقصودون بها، أي اذكروا نعمتي التي جعلتها خاصة لكم، لأنه أنعم عليهم نعما كثيرة، ثم ذكَّرهم بما اختصهم به منها دون ما (شاركهم) الغير (فيه) ،
(1) تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 255)
(2) في ظلال القرآن (1/ 69)