وأيضا فالإنعام على الشخص يطلق على ما ناله مباشرة وما كان بواسطة؛ (فذُكِّروا) بما أنالهم من النعمة مباشرة باختصاصها باسم الوصل"التي".) [1] {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} ظاهر هذه الآية أن بني إسرائيل هم أفضل العالمين، بينما المعروف أن محمد - عليه السلام - هي أفضل الأمم على الإطلاق، والجواب عن هذه الآية: فالمراد بالعالمين هم أهل زمانهم المعروفون لهم من الأمم
المجاورة، إذ كانوا هم أهل
كتاب، وفيهم الرسل والأنبياء، على حين كان جيرانهم وثنيين، على كفر وشرك وضلال. وهذا قول جمهور المفسرين. ... قال ابن كثير: ويجب الحمل على هذا، لأن هذه الأمة أفضل منهم. لقوله
تعالى خطابًا لهذه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} . (قلت: فهذا حكم قاطع بالخيرية المطلقة لهذه الأمة- في مقام الهداية، وصدق الإيمان بالله- على سائر الأديان، وجميع الملل!) لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} . وقال رسول الله - عليه السلام: (أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله) رواه أحمد. ولقوله - عليه السلام(أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، ... وسميت أحمد
، وجعلت أمتي خير الأمم)رواه أحمد. ولقوله - عليه السلام-:(يدخل الجنة من أمتي زمرة
وهم سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر)رواه البخاري. قلت-جامعه: وأذكر هنا ما روى البخاري عن ابن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا؛ لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عُدل به: أتى النبي -
صلى الله عليه وسلم - يوم بدر؛ وهو يدعو على المشركين، فقال يا سول الله! إنا لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك، وخلفك. فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أشرق وجهه
وسره؛ يعنى قوله. ا. ه. [2] فالتفضيل والمفاضلة تكون بالتقوى والعمل الصالح والالتزام بمنهج الله سبحانه، وهذه قاعدة الحق في وزن الناس
والأمم .. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) (الحجرات: 13) ،
والمعنى: أنّ الحكمة التي من أجلها رتبكم على شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض، فلا يعتزى إلى غير آبائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد، وتدَّعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب. ثم بيَّن الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره ويكتسب الشرف والكرم عند
الله تعالى فقال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ لم لا يُتفاخر بالأنساب؟ فقيل: لأنّ أكرمكم عند الله أتقاكم لا عليه وسلم: أنه طاف يوم الله وأثنى عليه ثم قال: «الحمد الله الذي أذهب عنكم عبية «نخوة وكِبر وتجبر» الجاهلية وتكبرها، يا أيها الناس، إنما الناس رجلان: مؤمن تقى كريم على الله، وفاجر شقىّ هين على
الله. والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب» (أخرجه الترمذي وابن حبان) ثم قرأ الآية. وعنه عليه السلام: من سرّه
أن يكون أكرم الناس فليتق الله «أخرجه الحاكم والبيهقي وأبو يعلى» .. [3] قال القرطبي: ولعلي رضي الله عنه في هذا المعنى وهو مشهور من شعره: الناس من جهة التمثيلِ أكْفاءُ ... أبوهمُ آدمٌ، والأمُّ حواءُ نفسٌ كنفسٍ وأرواحٌ مشاكِلةٌ ... وأعْظُمٌ خُلقت فيهمْ وأعضاءُ فإن يكن لهم من أصلهم حسبٌ ... يفاخرون به؛ فالطينُ
والماءُ ما الفضلُ إلا لأهل العلم إنهمُ ... على الهدى لمن استهدى أدلَّاءُ وقدر كل امرئٍ ما كان يحسنه ... وللرجال على الأفعال سِيماءُ وضد كل امرئٍ ما كان يجهله ... والجاهلون لأهل العلم أعداءُ. {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ ... الآية} قال ابن عاشور: عَطَفَ التحذير على التذكير، فإنه لما ذكرهم على العالمين في زمانهم وكان ذلك منشأ غرورهم بأنه تفضيل ذاتي فتوهموا أن التقصير في العمل الصالح لا يضرهم فعقَّب بالتحذير من ذلك .. ا. ه [هذه النداءات المكررة من ربّ العزة إلى هذا القطيع الشارد، من بنى إسرائيل- إنما تشير إلى ما في نفوس هؤلاء القوم من كنود، وما في طباعهم من جفاء وجماح، وما ضمّ عليه كيانهم من جحود للإحسان، وكفران بالنعم وليست هذه النداءات المتكررة إلا لإقامة الحجة عليهم، ومظاهرة النذر
لهم، حتى إذا أخذوا بعنادهم وجماحهم كان أخذهم شديدا أليما .. ومن أجل هذا أخذهم الله بالبأساء والضراء، وأوقع عليهم اللعنة، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، فقال تعالى في بنى إسرائيل: «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً» (13: المائدة) ، ويقول سبحانه: «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ، وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ،
(1) تفسير ابن عرفة (1/ 274) بتصرف
(2) مختصر صحيح الإمام البخاري للألباني (3/ 10)
(3) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (4/ 375)