ينجيهم الله من فرعون، وما رهقهم به من محن، وما رماهم به من بلاء، حيث كان يذبّح أبناءهم، ويستحيى نساءهم بما يدخل عليهم من جنده من استخفاف * وهتك لأستارهن، مما يجرح حياء المرأة، ويغرق وجه الحرة بماء الخجل! [1] أَمَّا قَوْلُهُ: {وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ} .. أصل الإنجاء والتنجية هو التخليص، والآل بمعنى الأهل وخاصة المرء ويُختص بها - في اللغة - ذووا الشأن من الملوك وأمثالهم [2] ، و (فرعون) هو لقب من يحكم مصر من القِبط (المصريين) ؛ كما لُقِّب حاكم الفرس بكسرى، والروم بقيصر، و الحبشة بالنجاشي .. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَقَ: هُوَ غَيْرُ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ وَأَنَّ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ كَانَ اسْمُهُ الرَّيَّانَ بْنَ الْوَلِيدِ .. وهذا هو الصَحِيحٍ-كما قال الرازي، إِذْ كَانَ بَيْنَ دُخُولِ يُوسُفَ مِصْرَ
وَبَيْنَ أَنْ دَخَلَهَا مُوسَى أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، ففي زمن يوسف كان
يحكم العماليق (الهكسوس) الذين غزوا مصر من الشام وحكموها قرونا، ثم مُكِّن ليوسف - عليه السلام - وقومه فيها فكانت لهم المكانة في دولة الهكسوس .. فلم حرر أحمس ذلك الفرعون القبطي (وكلمة قبط = تعني مصر وليس مسيحي) شمال مصر من الهكسوس أخذ في استعباد وتعذيب بني إسرائيل نكالا بهم
لمرافقتهم الهكسوس ودعمهم .. والله أعلم. و {يسومونكم} أَصْلُهُ مِنْ سَامَ السِّلْعَةَ إِذَا طَلَبَهَا، كَأَنَّهُ بِمَعْنَى يَبْغُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُرِيدُونَهُ بِكُمْ ويولونكم إياه، وَالسُّوءُ مَصْدَرُ سَاءَ بِمَعْنَى السَّيِّئِ، يُقَالُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ
مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ وَسُوءِ الْفِعْلِ يُرَادُ قُبْحُهُمَا، وَمَعْنَى؛ مع أن الْعَذَابُ كُلُّهُ سَيِّئٌ أي أَشَدُّهُ وَأَصْعَبُهُ؛ كَأَنَّ قُبْحَهُ زَادَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى سوئه .. فانظر إلى جمال ودقة الأداء القرآني تجد العجب!
(1) التفسير القرآني للقرآن (1/ 84) .
(2) قَالَ الْقَفَّالُ: أَصْلُ الْإِنْجَاءِ وَالتَّنْجِيَةِ التَّخْلِيصُ، وَأَنَّ بَيَانَ الشَّيْءِ مِنَ
الشَّيْءِ حتى لا يَتَّصِلَا وَهُمَا لُغَتَانِ نَجَّى وَأَنْجَى وَنَجَا بِنَفْسِهِ، وَقَالُوا لِلْمَكَانِ الْعَالِي: نَجْوَةٌ لِأَنَّ مَنْ صَارَ إِلَيْهِ نَجَا، أَيْ تَخَلَّصَ وَلِأَنَّ الْمَوْضِعَ الْمُرْتَفِعَ بَائِنٌ عَمَّا انْحَطَّ عَنْهُ فَكَأَنَّهُ مُتَخَلِّصٌ مِنْهُ. قَالَ صَاحِبُ
الْكَشَّافِ: أَصْلُ آلٍ أَهْلٌ وَلِذَلِكَ يُصَغَّرُ بِأُهَيْلٍ فَأُبْدِلَتْ
هَاؤُهُ أَلِفًا وَخُصَّ اسْتِعْمَالُهُ بِأُولِي الْخَطَرِ وَالشَّأْنِ، كَالْمُلُوكِ وَأَشْبَاهِهِمْ وَلَا يُقَالُ: آلُ
الْحَجَّامِ وَالْإِسْكَافِ، قَالَ عِيسَى: الْأَهْلُ أَعَمُّ مِنَ الْآلِ، يُقَالُ: أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْبَلَدِ وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَلَا يُقَالُ: آلُ الْكُوفَةِ وَآلُ الْبَلَدِ وَآلُ الْعِلْمِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْأَهْلُ هُمْ خَاصَّةُ الشَّيْءِ مِنْ جِهَةِ تَغْلِيبِهِ عَلَيْهِمْ، وَالْآلُ خَاصَّةُ الرَّجُلِ مِنْ جِهَةِ قَرَابَةٍ أَوْ صُحْبَةٍ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ سَمِعَ
فَصِيحًا يَقُولُ: أَهْلُ مَكَّةَ آلُ اللَّهِ. من تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (3/ 504)