فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 604

قال الرازي: وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ مِنْ «سُوءِ الْعَذَابِ» فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّهُ جَعَلَهُمْ خَوَلًا وَخَدَمًا لَهُ وَصَنَّفَهُمْ فِي أَعْمَالِهِ أَصْنَافًا، فَصِنْفٌ كَانُوا يَبْنُونَ لَهُ،

وَصِنْفٌ كَانُوا يَحْرُثُونَ لَهُ،

وَصِنْفٌ كَانُوا يَزْرَعُونَ لَهُ، فَهُمْ كَانُوا فِي أَعْمَالِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَوْعٍ مِنْ أَعْمَالِهِ كَانَ يَأْمُرُ بِأَنْ يُوضَعَ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ يُؤَدِّيهَا، فِي الْأَعْمَالِ الْقَذِرَةِ الصَّعْبَةِ مِثْلِ كَنْسِ الْمَبْرَزِ وَعَمَلِ الطِّينِ وَنَحْتِ الْجِبَالِ، وَحَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِمُوسَى: {أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا} (الْأَعْرَافِ: 129) . وَقَالَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ

عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (الشُّعَرَاءِ: 22) .. وَاعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ الْإِنْسَانِ تَحْتَ يَدِ الْغَيْرِ بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَمَا يَشَاءُ لَا سِيَّمَا إِذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الصَّعْبَةِ الْقَذِرَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ أَشَدِّ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ هَذِهِ حَالَتُهُ رُبَّمَا تَمَنَّى الْمَوْتَ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى عَظِيمَ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ بِأَنْ نَجَّاهُمْ مِنْ ذَلِكَ .. [1] قال ابن الجوزي: كان الزجاج

يرى أن قوله: {يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ .. } تفسير لقوله: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ هذا بعض أهل العلم، فقال: قد فرَّق الله بينهما في

موضعٍ آخر من كتابه، فقال: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ .. } ، وإنما سوء العذاب: استخدامهم في أصعب الأعمال، وقال الفرّاء: الموضع الذي فيه من العذاب غير الذبح، فكأنه قال: يعذبونكم بغير الذبح وبالذبح. [2] قال: وقوله تعالى: {وَيَسْتَحْيُونَ} ، أي: يستبقون {نِساءَكُمْ} ، أي: بناتكم. وإنما استبقوا نساءكم للاستذلال والخدمة. وفي البلاء هاهنا قولان: أحدهما: أنه بمعنى النعمة، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو مالك، وابن قتيبة والزجاج. والثاني: أنه النقمة، رواه السدي عن أشياخه. فعلى هذا القول بمعنى النقمة والابتلاء يكون معنى {ذلِكُمْ} : عائدًا على سَوْمهم سوء العذاب، وذبح أبنائهم واستحياء نسائهم، وعلى القول أنه إنعام يعود على النجاة من آل فرعون.

(1) تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (3/ 505)

(2) قلتُ: وهذا ما نعنيه بالنظرة الشمولية في تفسير القرآن وفهمه من خلال

جمع نظائره وتحليلها في سياق عام متصل يبين بعضه بعضا، وهو ما فصلته في كتابي تدبر القرآن الكريم من الداخل أتمه الله ونشر خيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت